الحمد لله، المشهور من المذهب أن المياه ثلاثة أقسام، وهو قول جمهور العلماء وهي: طهور، وطاهر، ونجس.
القول الثـاني: أن المياه تنقسم إلى قسمين: طهور، ونجس، وليس هناك قسم ثالث، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
أمَّا من قسَّم الماء إلى ثلاثة أقسام فاستدلَّ بأدلة، منها:
أولًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن الصحابة سألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ماء البحر؛ فقالوا: «يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء؛ أفنتوضأ بماء البحر؟» فقال -صلى الله عليه وسلم-: «هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، صحَّحه البخاري فيما نقله الترمذي، فكون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ» يُفهم منه أن هناك ماءً آخر غير الطهور، وهو الطاهر، وكذلك كون الصحابة يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ماء البحر: هل يتوضؤون منه أو لا؟ يدلُّ على أن هناك ماءً لا يُتوضَّأ منه وهو الطاهر.
ثانيًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا استَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ؛ فَلْيَغْسِل يَدَهُ قَبْل أَنْ يُدْخِلهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُم لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَت يَدُه»؛ فكون النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يغمسَ الرجل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا دليلٌ على أن هذا الماء إذا غمس يده فيه قبل أن يغسلها ثلاثًا أنه لا يرفع الحدَث؛ فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك.
ثالثًا: حديث «نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ»؛ فهذا النهي يدلُّ على أنه لا يرفع الحدَث.
واستدلَّ مَن قال: إن الماء قسمان بأدلة، منها:
أولًا: قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11]، فالأصل في المياه أنها طاهرة مُطهِّرة، سواء كانت نازلةً من السماء، أو نابعةً من الأرض، أو كانت جاريةً، أو راكدةً.
ثانيًا: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[النساء:43] و[المائدة:6].
وجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكره في سياق النفي، فتعمُّ كُلَّ ماء، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غيرَ مستعمل، وخرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور.
قال ابن المنذر: قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء، إلا ما منع منه كتاب أو سُنَّة أو إجماع. والماء الذي منع الإجماعُ الطهارةَ منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسةُ بلون أو طعم أو ريح.
ثالثًا: حديث أم هانئ -رضي الله عنها- قالت: «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وإسناده صحيح.
ووجه الدلالة: أن هذا الماء لا بُدَّ أن يتغيَّرَ من العجين، لا سيما في آخر الأمر إذا قلَّ الماء وانحلَّ العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجِه، فدلَّ على أن الماء إذا تغيّر بشيء طاهرٍ يبقى طهورًا، ولا يتحوَّل إلى طاهر غيرِ مُطهِّر.
رابعًا: حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وصحَّحه أحمد، وابن معين، وورد عن ابن عباس وعائشة -رضي الله عنها- بأسانيدَ صحاح، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» إسناده صحيح.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» إسناده صحيح.
فهذه الأحاديث تدلُّ على طهورية الماء، وأنه باقٍ على طهوريته، لا يخرج منها إلا بالإجماع، وهذا لا يكون إلا بتغيُّرِه بالنجاسة.
خامسًا: حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في الذي وقصته راحلته، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» متفق عليه. فما أضيف إليه سدر لا بُدَّ أن يتغيَّرَ، وقد جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مُطهِّرًا للميت، فكذا الحي.
سادسًا: عن حبِيب بن شهاب العنبَري، عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة: أرأيت السُّؤر في الْحِيَض تَصْدُرُ عنها الْإبل، وتَرِدُها السباع، وتَلِغُ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار، هل أتطهَّر منه؟ فقال: «لا يحرم الماء شيء».
سابعًا: من النظر قالوا: إن هذه المسألة تتعلَّق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلو كان هذا القسم موجودًا لبيَّنه -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن إثباتَ ماءٍ لا طهورٍ ولا نجسٍ تكون الحاجة إلى بيانه أشدَّ من بيان كثير من الآداب والأحكام.
فالراجح أن الماء قسمان: طهور ونجس، وأن الأصل في الماء الطهوريةُ، ولكن نستثني من ذلك أمرين:
الأمر الأول: إذا تغيَّرَ الماء بالنجاسة؛ كأن تقع فيه نجاسة؛ فتغيَّر طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه؛ فهذا خرج عن كونه مُطهِّرًا بالإجماع.
الأمر الثاني: إذا أضيف إلى هذا الماء ما يسلب منه وصف الماء المطلق؛ بحيث لا نُسمِّيه ماءً بل يحدث له اسمٌ آخر كالمرق مثلًا؛ ففي هذه الحالة يخرج عن كونه رافعًا للحدَث.
فبناءً على هذا الضابط الذي ذُكِر؛ متى شكَّ الإنسان في هذا الماء هل هو رافع للحدَث أو لا، فالأصل أنه مُطهِّر، وذلك أن الأصل في المياه الطهارة؛ لِمَا تقدم من الأدلة.