الحمد لله، قال صاحب الزاد: "والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره" وهذا تحته مراتب:
أي: الأفضل للإنسـان إذا كان من غير أهل الثغر أن يصلي في المسجد الذي لا تقام الجماعة إلا بحضوره، يعني: إذا لم يحضر لم تقم الصلاة في هذا المسجد، وهذه المرتبة الأولى.
والعلة في ذلك: أنه يُحصّل بذلك ثواب عمارة المسجد، وأيضًا تحصيل الجماعة لمن يصلي فيه.
قال صاحب الزاد: "ثم ما كان أكثر جماعة"، أي: إذا كان هذا الرجل حضوره في المسجد وعدم حضوره سواء، بمعنى أن الجماعة ستقام في هذا المسجد، سواءٌ حضر أو لم يحضر، فالأفضل في حقِّه أن يصلي في المسجد الأكثر جماعة، وهذه المرتبة الثانية.
ودليـل ذلـك: حديث أبيّ بن كعبٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قـال: «إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وابن حبان وغيرهم. صحَّحه ابن معين، وابن المديني، والذهلي وابن خزيمة وغيرهم، قال البيهقي: «أقام إسناده شعبة والثوري وإسرائيل في آخرين».
فإذا كان هذا المسجد يصلي فيه صفان، والآخر يصلي فيه صفٌّ واحد فنقول: الأفضل أن تصلي في المسجد الذي يصلي فيه صفان.
ودليل ذلك: ما سلف من حديث أُبيّ بن كعب ٍ-رضي الله عنه-.
قال صاحب الزاد: "ثم المسجد العتيق"، هذه المرتبة الثالثة، والمسجد العتيق هو المسجد القديم، أي: ثم بعد الأكثر جماعة المسجد القديم.
والعلة في ذلك: أن الطاعة فيه أسبق، وهذا ما ذهب إليه صاحب الزاد، وخالف المذهب في هذه المسألة، فالمشهور من المذهب: تقديم المسجد العتيق على المسجد الأكثر جماعةً.
فالترتيب على المذهب: المسجد العتيق، ثُمَّ المسجد الأكثر جماعةً.
لكن ما ذهب إليه صاحب الزاد هو الصواب، وهو أن المسجد الأكثر جماعةً أفضل من المسجد العتيق؛ لأن هذا ورد فيه النصُّ، أمَّا المسجد العتيق فليس فيه إلا تعليلٌ، وهو سبق الطاعة فقط.
والأحسن أن يقال في الترتيب:
المرتبة الأولى: المسجد القريب منه، ويدلُّ لذلك:
أولًا: حـديث أبي هريـرة -رضي الله عنه- فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- «همَّ أن يُحرِّقَ على المتخلفين عن الصلاة في المسجد بيوتهم بالنار». ولم يقل النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: لعلهم صلوا في مسجد آخر.
ثانيًا: قول عليٍّ -رضي الله عنه-: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». وهذا جار المسجد، فعليه أن يصلي في المسجد.
ثالثًا: أن هذا هو هدي السلف الصالح، ولم يكونوا يتخطون مساجدهم إلى مساجد أخرى.
رابعًا: من حيث النظر أن كون الإنسان يتخطَّى مسجده إلى مسجد آخر، فإن هذا ربما يؤدي إلى وقوع شيءٍ في قلب الإمام أو قلوب الجماعة مما يؤثِّرُ على المصالح التي من أجلها شُرِعَتْ صلاة الجماعة.
وقد ورد في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ»، وهذا في الطبراني، وفي إسناده شيخ الطبراني محمد بن النصر، اختلط، وجوَّده الألباني. ولكن هذا أيضًا مما يؤيِّد ما ذكرنا، اللهم إلا إذا كان يترتب على التخطي مصلحةٌ شرعيةٌ، فإن عندنا قاعدةً وهي: "أن الفضل المتعلِّق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكان العبادة أو زمانها".
فكون الإنسان يتخطاه لكونه أكثر أجرًا، مثل كونه يصلي في الحرمين الشريفين، أو كون صلاته في المسجد الآخر أدعى إلى الخشوع والتَّدبُّر وحياة القلب ونحو ذلك، فيقال: يشرع التخطي في هذه الحال.
المرتبة الثانية: أن يصلي في المسجد الأكثر جماعةً؛ لِمَا ورد من حديث أبُيّ بن كعبٍ -رضي الله عنه-.
المرتبة الثالثة: أن يصلي في المسجد العتيق.