الخميس 16 رمضان 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-12-2025

أهم أحكام زكاة الإبل والبقر والجواميس والغنم وما يُلحق بها

الجواب

س: ما هي بهيمة الأنعام؟ وما الدليل على وجوب الزكاة فيها؟
ج: الحمد لله، بهيمة الأنعام المراد بهـا: الإبل، والبقر، والغنم، الإبل على اختلاف أنواعها، سواءٌ كانت من العِراب أو من البَخَاتي، والبقر على اختلاف أنواعها، سواءٌ كانت من العِراب أو من الجواميس، والغنم سواء كانت ماعزًا أو ضأنًا. وسميت بهيمة: لانبهام أمرها؛ لكونها لا تتكلم.
وقد دلَّ على وجوب الزكاة فيها: السنة، والإجماع.
أما السُّنة: فقد روى أنسٌ -رضي الله عنه- «أن أبا بكر -رضي الله عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله...» رواه البخاري.
وأما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في البقر الإنسية إذا كانت سائمةً، ولكن اختلفوا في وجوب الزكاة في بقر الوحش السائمة: فالمذهب: تجب الزكاة في بقر الوحش وغنمه السائمة إذا بلغت نصابًا بنفسها؛ لما يلي:
أولًا: عموم أدلة وجوب الزكاة في السائمة.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن عموم الحديث الوارد لا يشمل بقر الوحش، ولا يُفهم منه ذلك.
ثانيًا: أن الزكاة تجب في بقر الوحش قياسًا على الأهلية.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا القياس لا يصح؛ لوجود الفارق؛ فإنها تُفارق البقر الأهلية في الصورة، وفي الحكم، فإن بقر الوحش لا يُجزئ في الأضحيّة، ولا يقتنى للنماء ولا للدَّرّ.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة وهو روايةٌ عند الحنابلة: لا زكاة في بقر الوحش وغنمه السـائمة مطلقًا؛ لما يلي:
أولًا: لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها، ولا يُفهم منه؛ إذ كانت لا تُسمى بقرًا بدون الإضافة، فيُقال: بقر الوحش.
ثانيًا: لأنها حيوانٌ لا يجزئ نوعه في الأضحيّة والهدي، فلا تجب فيه الزكاة، كالظباء.
ولا تجب الزكاة في الظباء روايةً واحدةً؛ لعدم تناول اسم الغنم لها. 

س: هل في الخيـل زكاة؟
ج: الحمد لله، اتفق الأئمة على أن ما يقتنيه المسلم من الخيل للركوب أو حمل الأثقـال أو للجهاد في سبيل الله أنه لا زكاة فيه، سواءٌ كانت سائمةً أو معلوفةً.
واتفقوا أيضًا أنها إذا كانت للتجارة وجبت فيها الزكاة، عدا الظاهرية فلا يوجبون فيها الزكاة.
واختلف العلماء في السائمة المعدَّة للنماء والنسل: فعند جمهور أهل العلم: لا زكاة فيها.
وعند أبي حنيفة: إن كانت سائمة للدَّرّ والنسل ذكورًا وإناثًا وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة، غير أنها إن كانت مِن أفراس العرب خُيِّر بين أن يدفع عن كل واحدة دينارًا، وبين أن يقوِّمها ويعطي عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت من أفراس غيرهم قوَّمها لا غير، وإن كانت ذكورًا أو إناثًا فروايتان أشهرهما: عدم الوجوب.
واستدل الجمهور بما يلي:
أولًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «ليسَ على المسلمِ في عَبْدِهِ ولا في فَرَسِهِ صدقَةٌ» متفقٌ عليه.
ثانيًا: حديث عليٍّ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «قد عفوتُ لكم عنْ صدقَةِ الخيلِ والرَّقِيقِ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه البخاري، وحسَّنه الحافظ.
ودليل أبي حنيفة:
أولًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «الخيلُ لرجلٍ أجْرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الذي له أَجْرٌ: فرجُلٌ رَبَطَهَا في سبيلِ اللهِ، فَأَطَالَ بها فِي مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ، فما أَصَابَتْ في طِيَلِهَا ذلك مِن المَرجِ أو الرَّوْضَةِ كانت له حَسَنَاتٍ، ولو أنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ كانت آثَارُهَا وأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ له، ولو أنَّها مَرَّتْ بِنَهَرٍ، فَشَرِبَتْ منه ولم يُرِدْ أن يَسْقِيَ، كان ذلك حسناتٍ له، فهي لذلكَ أجرٌ، ورجلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثم لم يَنْسَ حقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلاَ ظُهُورِهَا، فهي لذلك سِتْرٌ، ورجلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا ورياءً ونواءً لأهلِ الإسلامِ، فهي على ذلك وِزْرٌ» رواه البخاري.
ونوقش: بأن المراد بالحق عدا الصدقة؛ لأدلة الجمهور.
واختلف في المراد بالحق: فقيل: الجهـاد بها، وقيل: الإحسـان إليها، والقيام بعلفها، وقيل: المراد بظهورها: إعارتها للمضطر يركبها، أو إطراق فحلها إذا طلبت إعارته، والظهور ليست محل زكاةٍ بالإجماع.
ثانيًا: ورد ذلك عن الصحابة -رضوان الله عليهم-: فورد عن عمر -رضي الله عنه-: "خذ من كل فرسٍ دينارًا" رواه عبد الرزاق والبيهقي.
وورد عن السائب بن يزيد قال: "رأيت أبي يقوّم الخيل، ويدفع صدقتها لعمر" رواه الطحاوي والدارقطني بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن طاوس قال: سألت ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- عن الخيل أفيها صدقة؟ فقال: "ليس على فرس الغازي في سبيل الله صدقة" رواه ابن زنجويه في الأموال، وصححه الحافظ في الدراية.
ونوقش الاستدلال بهذه الآثار: بأنها خلافُ المرفوع للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأيضًا: ورد عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- عدم إيجاب الزكاة فيها، كعلي وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهم-، وعلى هذا فالأقرب: قول الجمهور.

س: هل في البغال والحمير المعدَّة للتجارة زكاة؟
ج: الحمد لله، اتفق الأئمة على أن البغال والحمير إذا كانت معدَّةً للتجارة فإن فيها الزكاة، وأن حكمها حكم التجارات، واتفقوا على أنها إذا لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه-: «وسُئِلَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عنِ الحُمُرِ، فقال: ما أُنْزِلَ عليَّ فيها شيءٌ إلَّا هذه الآيةُ الجامعةُ الفَاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]» رواه البخاريُّ ومسلمٌ. 

س: هل يُشترط في زكاة بهيمة الأنعام أن تكون سائمة؟
ج: الحمد لله، يُشترط في زكاة بهيمة الأنعام أن تكون سائمةً، أي: ترعى المباح الحول أو أكثر الحول. وهذا قول الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة.
ويدل لذلك: حديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «في كلِّ إبلٍ سائِمَةٍ مِن كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وإسناده حسنٌ.
وأيضًا: في حديث أبي بكرٍ -رضي الله عنه-: «وفي صدقةِ الغنمِ في سَائِمَتِهَا»، فهذا دليلٌ على اعتبار السوم. وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «في الأربعين من الغنم سائمةً شاةٌ إلى مائة وعشرين» رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ.
الرأي الثاني: أنها تجب ولو في المعلوفة، فإذا كانت غير سائمةٍ وإنما صاحبها يشتري لها العلف، أو الشعير ونحو ذلك، فإنها تجب فيها الزكاة، وبه قال الإمام مالكٌ -رحمه الله-.
واستدل: بحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليسَ فيما دون خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ، ولا فيما دونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، ولا فيما دونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وجه الدلالة: أن الحديث عام يشمل السائمة وغير السائمة.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث مطلقٌ، وحديث السائمة مقيدٌ، فيُحمل المطلق على المقيد.
والأقرب -والله أعلم-: أنه يشترط أن تكون سائمةً -أي: راعية المباح من الكلأ والعُشب النابت، ونحو ذلك-؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول المخالف.
والأقسـام ثلاثة:
القسم الأول: أن تكون راعيةً للحول كله، فتجب فيهـا الزكاة بالاتفاق.
القسم الثـاني: أن تكون راعيةً لأكثر الحول، فالمذهب ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله- تجب فيها الزكاة؛ لأن للأكثر حكم الكل. وعند الشافعي -رحمه الله-: لا تجب فيها الزكاة إلا إذا رعت كل الحول.
القسم الثالث: إذا رعت نصفَ الحول، والنصف الآخر يشتري لها، فهذه لا زكاة فيها.

س: ما أقوال الفقهاء في زكاة بهيمة الأنعام العوامل (التي تستعمل في الحرث والحمل والسقي) وغير العوامل؟
ج: الحمد لله، اختلفوا في ذلك، فقيل: يُشترط أنْ تكون متخَذةً للدَّرّ والنسل، زاد بعضهم: "والتسمين" فلا تجب في العوامل.
فالإبل المعدَّة للحمل، والركوب، والنواضح، وبقر الحرث والسقي لا زكاة فيها ولو كانت سائمةً، وهو المذهب ومذهب الحنفيَّة والشافعيَّة.
واستدلوا:
أولًا: بما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس على المسلمِ في عبدِهِ ولا فَرَسِهِ صدقةٌ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وعن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: "ليس في البقر العوامل صدقةٌ" رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والدارقطني في سننه، وإسناده حسنٌ؛ لحال عاصم، وأبو عبيد تابعه نعيم بن حماد. وصححه ابن القطان، وابن حزمٍ.
ثانيًا: ما رواه ابن جريج قال: أخبرني زياد بن سعد أن أبا الزبير أخبره عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "لا صدقة على مُثِيرة" رواه أبو عبيد في الأموال، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وإسناده صحيحٌ، وأبو الزبير صرَّح بالسماع عن جابرٍ عند البيهقي.
القول الثاني: أن الزكاة تجب في العوامل، وهو مذهب المالكيَّة؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ» رواه البخاري.
قال أحمد: "ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل".
وأجيب عن وجه الدلالة: بأن هذا الحديث مطلقٌ، وحديث السائمة مقيدٌ، فيحمل المطلق على المقيد.
والأقرب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

س: ما أقلُّ نصاب الإبل؟
ج: الحمد لله، أقل نصاب الإبل خمسٌ، وفيها شاةٌ، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ عشرًا، فإذا بلغت عشرًا ففيها شاتان، والخمس عشرة: فيها ثلاث شياه، والعشرون: فيها أربع شياه، حتى تبلغ خمسًا وعشرين، فإذا بلغت خمسًا وعشرين: ففيها بنت مخاض، وما بين الفريضتين يسميه العلماء بالوَقْص، وهو من خصائص السائمة.
فالوقص لا زكاة فيه، وأما ما عدا السائمةَ تجب فيه الزكاة ولو زاد أدنى زيادة.
مثال ذلك: لو فرضنا أن نصاب الأوراق النقدية تساوي ثلاثمائة ريالٍ، ثم زادت هذه الثلاثمائة ريالًا واحدًا، فإنه تجب الزكاة في هذا الريال، لكن بالنسبة للسائمة وَقْصُها لا زكاة فيه، فخَمس من الإبل فيها شاةٌ، فإذا زادت فأصبحت ستًّا أو سبعًا، لا زكاة في الزائد حتى تبلغ عشرًا.
فالخارج من الأرض وعروض التجارة والأثمان لو زادت أدنى زيادة ففيها الزكاة.

س: هل يجوز أخذ سِنٍّ أفضل من السن التي تجب على المالك كأخذ مثلًا البعير عن الشاة؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: بعدم إجزاء البعير عن الشاة؛ لأنه عَدَلَ عن المنصوص عليه إلى غير جنسه فلم يجزئه، وكذا لو أخرج بقرة أو نصفي شاتين؛ لأن فيه تشقيصًا على الفقراء يلزم منه سوء الشركة، وعند الحنفيَّة والشافعيَّة: يجزئ البعير.
والدليل على إجزاء البعير؛ لأن الأصل أنه يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا اختار أصل الفرض قُبِل منه، كمن ترك المسح على الخف وغسل الرِّجل.
وعند المالكيَّة: يجزئ البعير عن شاةٍ واحدةٍ إن وفَّت قيمته بقيمتها.
والأقرب: إجزاء البعير، ويدل لذلك: حديث أُبي بن كعبٍ -رضي الله عنه- «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصدِّقًا، فمررت برجل، فلم أجد في ماله إلا ابنة مخاض، فأخبرته أنها صدقته، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة سمينة فخذها... فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبضها ودعا له بالبركة» رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه، وفي النَّيـل: "وفي إسنـاده محمد بن إسحـاق وقـد صرَّح بالتحـديث..."، والحديث يدل على جواز أخذ سن أفضل من السن التي تجب على المالك؛ ولأن الشارع إنما نص على الشاة تخفيفًا على المالك.

س: من يكون له الخيار في إخراج أحد الفرضين؟
ج: الحمد لله، اختلف الفقهاء فيمن يكون له الخيار في إخراج أحد الفرضين على قولين:
القول الأول: أن الخيار لرب المال، وهذا مذهب الحنفيَّة، والحنابلة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «فإذا كانت مائتين ففيها أربع حِقَاق أو خمس بنات لَبُون، أيُّ السِّنَّيْنِ وُجِدَتْ أُخِذَتْ» رواه أبو داود.
وجه الاستدلال: أنه قال: «وُجدت» أي: من قِبَل المالك، وقال: «أخذت» أي: من قِبَل الساعي، فليس للساعي إلا ما أوجده له المالك.
القول الثاني: أن الخيار للساعي، وهذا مذهب المالكيَّة والشافعيَّة؛ لأنه يلزم أن يختار ما هو أفضل وأنفع للمساكين.
وللحنفية والمالكيَّة خلاف في هذا بينته في شرحي للروض المربع، وكتابي الجامع لأحكام الزكاة.

س: ما الدليل على وجوب الزكاة في البقر؟
ج: الحمد لله، الأصل في زكاتها: السنة، والإجماع.
أما السنة: فحديث جابرٍ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما مِن صاحبِ إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنمٍ، لا يُؤَدِّي حَقَّـهَا، إلَّا أُقْعِدَ لها يومَ القيامةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، ليس فيها يومئِذٍ جَمَّاءُ ولا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ. قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الماءِ، وحَمْلٌ عليها في سبيلِ اللهِ، ولا مِن صَاحِبِ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ» رواه مسلمٌ.
وأما الإجماع: فقد قال ابن المنذر: "وأجمعوا على وجوب الصدقة في الإبل والبقر والغنم... وأجمعوا على أن حكم الجواميس حكم البقر".
ولم تُذكر زكاة البقر في حديث أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، والكتاب الذي عند آل عمر -رضي الله عنه-؛ لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن ذكر له حكم البقر؛ لوجودها عندهم.

س: ما أقل نصاب البقر؟
ج: الحمد لله، أقل نصاب البقر ثلاثون، وفيه تبيعٌ أو تبيعةٌ، لكلٍّ منهما سَنةٌ، ولا شيء فيما دون الثلاثين.
س: ما المقدار الواجب إخراجه في زكاة البقر؟
ج: الحمد لله، اتفق الأئمة الأربعة على أن أقل نصاب البقر ثلاثون، وأنها إذا بلغتها ففيها تبيعٌ أو تبيعةٌ، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنةٌ.
وعند مالكٍ والشافعي وأحمد: لا شيء فيها سوى مسنةٍ إلى تسع وخمسين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان، أو تبيع وتبيعة إلى تسعٍ وستين، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيعٌ ومسنةٌ، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائةٍ تبيعان ومسنة، وعلى هذا أبدًا يتغير الفرض في كل عشرٍ من تبيع إلى مسنةٍ؛ لحديث معاذٍ -رضي الله عنه- ولفظه: «أمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قال ابن عبد البر: "وحديث طاوس هذا عندهم عن معاذٍ غير متصلٍ، والحديث عن معاذٍ ثابتٌ متصلٌ من رواية معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالك".
وقال ابن القطان: "ولا أقول: إن مسروقًا سمع من معاذٍ، إنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ، بحكم حديث المتعاصرَيْن اللذين لم يُعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور".
وعن عليٍّ -رضي الله عنه-: "في البقر في ثلاثين تبيعٌ أو تبيعةٌ، وفي أربعين مسنةٌ" رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. قال ابن حزمٍ: "هذا قولٌ صح عن عليٍّ -رضي الله عنه-".
وعند الحنفيَّة: أن ما زاد على الأربعين يجب في كل واحدةٍ ربع عُشر مسنةٍ، ففي الواحدة: ربع عشر مسنةٍ، وفي الثنتين نصف عشر مسنةٍ، وهكذا... إلى الستين.
وعند الطبري -رحمه الله-: أقل النصاب خمسون، ففي خمسين بقرة، وفي مائة بقرتان، وهكذا؛ لأنهم يجمعون على أن في كل خمسين بقرة.
وعند سعيد بن المسيب، والزهري: تجب في كل خمسٍ منها شاةٌ إلى ثلاثين؛ لأن البقرة تجزئ عن سبعةٍ كالإبل.
والأقرب: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام.
فخمسون: فيها مسنةٌ. وستون: فيها تبيعان، أو تبيعتان، أو تبيع وتبيعة. وسبعون: فيها تبيعٌ ومسنةٌ، أو تبيعةٌ ومسنةٌ. وثمانون: فيها مسنتان. وتسعون: فيها ثلاثة أتبعة، أو ثلاث تبيعات، أو تبيعٌ وتبيعتان، أو تبيعتان وتبيعٌ. ومائةٌ: فيها تبيعان ومسنةٌ.

س: هل تجب الزكاة في بقر الوحش؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: تجب الزكاة في بقر الوحش، وهو المذهب؛ لإطلاق الأدلة.
وعند الأئمة الثلاثة: لا تجب الزكاة في بقر الوحش؛ لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها، ولا تسمى بقرًا إلا بالإضافة إلى الوحش؛ ولأنها لا تجزئ في الأضحية والهدي، فلم تجب فيها الزكاة كسائر الوحش.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟