الحمد لله، الغرم في اللغة: اللزوم، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} الفرقان: 65 يعني ملازمًا لأهلها.
وسمي الغارم بهذا الاسم: لأن الدَّين لزمه، وأيضًا الغريم يلازمه.
الغارمون نوعان:
النوع الأول: الغارم لإصلاح ذات البين، أي: إصلاح حال الوصل الفاسد، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} الأنفال: 1 وقال تعالى: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} النساء: 114.
والغارم لإصلاح ذات البين له صور:
الصورة الأولى: أن يتحمل في ذمته.
الصورة الثانية: أن يقترض، ويؤدي الحَمالة.
فيُعطى من الزكاة في الصُّورتين؛ لما روى قَبيصة بن مُخارِق الهلالي -رضي الله عنه-، قال: «تَحَمَّلت حَمالةً، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها، فقال: أَقِم حَتّى تَأْتِيَنَا الصّدَقَة، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قال: ثم قال: يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» رواه مسلمٌ.
وروى ابن زنجويه في الأموال عن يحيى بن أبي كثير، قال: "جاء رجلٌ إلى الحسن بن علي -رضي الله عنه- يسأله، فقال: إن كنت تسأل في فقر مُدْقِعٍ، أو غُرْمٍ مُوجِعٍ، أو دم مُفْظِعٍ، فقد وجب حقك، قال: ما أسألك في شيء من هؤلاء، قال: فلا حق لك، فأتى ابن عمر فسأله، فقال له مثل ذلك"، إسناده حسن.
وقوله: "غُرْمٍ مُوجِعٍ" يدخل فيه الغرم لإصلاح ذات البين.
الصورة الثالثة: أن يؤدي الحمالة من عنده. فكلام الفقهاء أنه لا يأخذ الزكاة؛ لأنه ليس غارمًا.
وذكر شيخنا ابن عثيمين أنه يُعْطَى من الزكاة في حالين:
الحال الأولى: إذا لم يوف من ماله؛ فهنا ذمته مشغولةٌ، فلا بُدَّ أن نَفَكَّهُ.
الحال الثانية: إذا وفَّى من ماله بنيَّة الرجوع على أهل الزكاة؛ لأجل ألا نسدَّ باب الإصلاح، وقد قال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} النساء: 114؛ ولأن الحال قد تقتضي الدفع فورًا.
وفي حالين لا يُعطى فيهما من الزكاة:
الحال الأولى: إذا دَفع من ماله بنية التقرب لله تعالى؛ لأنه أخرجه لله تعالى فلا يجوز الرجوع فيه.
الحال الثانية: إذا دفع من ماله ولم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة.
النوع الثاني من نوعَي الغارم: وهو من تديَّن لنفسه ولم يتديَّن لإصلاح ذات البين، فالأول: غارمٌ لمصلحة نفسه في مباحٍ، كمن استدان في نفقةٍ، أو زواجٍ، أو كسوةٍ، ونحو ذلك.
وله صور:
الصورة الأولى: أن يستدين لنفقاته الشرعية له، ولمن يمُون مِن عائلته، كالطعام والشراب، واللباس، ونحو ذلك، فهذا يُعطى من الزكاة باتفاق الأئمة.
الصورة الثانية: أن يستدين للحوائج الأصلية، كشراء آلات الطبخ، والتبريد، ونحو ذلك مما يحتاجه في حياته العادية. وهذا أيضًا يُعطى من الزكاة باتفاق الأئمة، وكذا لو استدان للسكن أو الزواج ونحو ذلك.
الصورة الثالثة: أن تلحقَه جائحة بتَلف شيء من ماله بآفةٍ سماويةٍ كرياحٍ، أو أمطارٍ، أو حرائق أو نحو ذلك، كمن احترق بيته أو ماله، أو غرفت بضاعته، أو ذهب به زلزالٌ أو سيلٌ أو غير ذلك من العوارض الخارجة عن إرادته، فيلحقه دَين بسبب ذلك.
وهذا أيضًا يُعطى من الزكاة، وهو ظاهر كلام الأئمة الأربعة.
وروى عبد الرزاق عن مجاهدٍ في قوله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} التوبة: 60 قال: "من احترق بيتُه، وذهب السيل بماله، وأدان على عياله".
الصورة الرابعة: أخذ الزكاة لسداد ديون الله تعالى، كالزكوات، والكفارات، والنذور.
فالمذهب: أنه يجوز أخذ الزكاة وفاءً لدَين الله تعالى؛ لعموم قول الله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} التوبة: 60.
ولما ورد من الأدلة على دفع الزكاة في الحج.
القول الثاني: أنه لا يجوز أخذ الزكاة لدَين الله تعالى، وهو ظاهر مذهب الحنفيَّة ومذهب المالكيَّة والشافعيَّة.
وحجته: أنه دَينٌ لا يحبس عليه، فلا يُعطى من الزكاة لوفائه. ولأنه دَينٌ يسقط بالعجز عنه.
ولِمَا ورد من الأدلة على عدم دفع الزكاة في الحج. وهو الأقرب.
الصورة الخامسة: أخذ الزكاة في حال الضمان، والكفالة.
إذا ضَمن رجلٌ عن رجلٍ مالًا عن ثمن مبيعٍ ونحوه، فلهما أربعة أحوال:
الحـال الأولى: أن يكونا معسِرَين، فيُعطى الضامن ما يقضي به الدين، ويجوز إعطاء المضمون عنه.
نص عليه الشافعيَّة، والحنابلة؛ لقوله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} التوبة: 60.
الحال الثانية: أن يكونا موسِرَين.
القول الأول: لا يجوز أن يُعطى أحدهما، وهو وجهٌ عند الشافعيَّة، والصحيح من المذهب عند الحنابلة؛ لعدم وجود وصف الاستحقاق.
القول الثاني: لا يُعطى المضمون عنه، وأما الضامن فلا يُعطى إذا ضمن بإذن المضمون عنه، فإن ضمن بغير إذنه أُعطي، وهو الأصح عند الشافعيَّة؛ لأنه إذا غرم رجع على المضمون عنه، فلا يضيع عليه شيءٌ إذا ضمن بإذنه.
والأقرب: القول الأول؛ لقوة دليله.
الحال الثالثة: أن يكون الضامن معسِرًا دون المضمون عنه.
المذهب: لا يجوز أن يُعطى أحدهما؛ لعدم وجود وصف الاستحقاق في الأصل.
القول الثاني: إن ضمن بإذنه لم يعطَ؛ لأنه يرجع عليه، وإن ضمن بغير إذن أُعطي، وهو الأصح عند الشافعيَّة.
الحال الرابعة: أن يكون الضامن موسرًا دون المضمون عنه.
المذهب: لا يجوز أن يعطى أحدهما؛ لأن الضامن غارمٌ، وهو غير مستحقٍّ.
القول الثاني: يجوز إعطاء المضمون عنه، ولا يُعطى الضامن، وهو الأصح عند الشافعيَّة؛ لا يُعطى الضامن؛ لأن الصرف إلى المضمون عنه ممكنٌ، وإذا برئ الأصيل برئ الكفيل.
والأقرب: القول الأول؛ لعدم وجود وصف الاستحقاق في الضامن، وهو غارمٌ.
الصورة السادسة: الاستدانة لدينٍ بسبب بناء وقفٍ، أو مسجدٍ، أو نحو ذلك.
قال بعض الشافعيَّة: يُعطى من الزكاة.
وحجته: عموم قول الله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} التوبة: 60.
القول الثاني: أنه يُعطى من سهم الغارمين مع الغنى بالعقار، ولا يُعطى مع الغنى بالنقد، وبه قال بعض الشافعيَّة. قال الروياني: وهذا هو الاختيار.
الصورة السابعة: إذا أتلف شيئًا على غيره سهوًا أو خطأً أو نحو ذلك، فهذا يُعطى من الزكاة ما يفي به دَينه، إذا كان في حاجةٍ إلى ما يقضي به الدَّين لفقره؛ لعموم قول الله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} التوبة: 60.
س: هل الغارم لإصلاح ذات البين يأخذ من الزكاة ولو غنيًّا؟
ج: الحمد لله، الغارم لإصلاح ذات البين يأخذ ولو غنيًّا.
وهناك خمسة من أهل الزكاة يأخذون مع الغنى:
الأول: الغارم لإصلاح ذات البين.
الثاني: المجاهد في سبيل الله.
الثالث: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به.
الرابع: العامل على الصدقة.
الخامس: المؤلَّف قلبُه.