الحمد لله، يقول صاحب الزاد: "يجوز البكاء على الميت" وهذا هو المذهب وهو مذهب الحنفيَّة، والمالكيَّة والشافعيَّة؛ لقول أَنسٍ -رضي الله عنه-: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعيناه تذرفان. وقال: إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وأشار إلى لسانه- أَوْ يَرْحَمُ» متفقٌ عليه.
فالبكاء المباح: الذي لا يتضمَّن محظورًا من ندبٍ أو نياحةٍ أو الإكثار منه.
والبكاء المنهي: ما تضمَّن محظورًا.
والبكاء على الميت ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: بكاءٌ محمودٌ، وهو البكاء الطبيعي الذي تمليه الطبيعة، قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-.
والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- بكى كما في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
القسم الثـاني: البكاء المذموم، وهو البكـاء المتكلَّف، أو الذي يتضمَّن محظورًا شرعيًّا من النياحة والندبة ونحو ذلك، فإن هذا مذمومٌ، أو يكون بوصيةٍ من الميت.
وفي حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، هذا الحديث اختلف فيه أهل العلم -رحمهم الله- ما المراد به؟
والصواب: أن المراد بالعذاب هنا التَّألُّم، أي: أن الميت يتألَّمُ لبكاء أهله، البكاء الخـارج عن حدِّ الطبيعة، ونظيرُ ذلك قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»؛ لِمَا يحصل للإنسان من التعب والمشقة والألم، وليس المراد أنه يُعذَّب بعذاب القبر، ونحو ذلك؛ لأن الله تعالى قال: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}[النجم:39].