الحمد لله، باتفاق العلماء أشهر الحجّ تبدأ بدخول شهر شوالٍ، والمشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- ومذهب أبي حنيفة: تنتهي أشهر الحجّ بغروب الشمس من اليوم العاشر من يوم النحر.
الرأي الثاني: أن أشهر الحجّ ثلاثة شوال وذو القعدة وذو الحجّة، وبه قال الإمام مالك.
والرأي الثـالث: أن أشهر الحجّ شـوال وذو القعدة وتسعـة أيـامٍ من ذي الحجّة، أي أشهر الحجّ تنتهي بغروب الشمس من يوم عرفة من اليوم التاسع، وبه قال الشافعيّ.
ولكل منهم دليل:
أما الحنفيَّة والحنابلة، فاستدلوا على ذلك: بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين، قال: «بعثني أبو بكر فيمن يؤذّن يوم النحر بمنى: ألَّا يحجّ بعد العـام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويـوم الحجّ الأكبر يوم النحر».
وأيضًا حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- معلقًا في صحيح البخاريّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن يوم النحر: «يَوْمُ الحَجّ الأكبر».
فقالوا: هذا دليلٌ على دخول يوم النحر في أشهر الحجّ، وهم يستدلون بهذا الدليل على أن يوم النحر هو يوم الحجّ الأكبر، ويدخلونه ردًّا لخلاف الشافعيّ -رحمه الله-؛ لأن الشافعيّ حتى يوم النحر لا يدخله.
وبما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أشهر الحجّ: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجّة» رواه البخاريّ معلقًا بصيغة الجزم. وكذا عن ابن مسعود ٍ-رضي الله عنه-: أخرجه الدارقطني، وصحَّحه في التعليق المغني.
ودليل المالكيَّة: قولـه تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} البقرة: 197 وأقل الجمع ثلاثةٌ.
وبما ورد عن عمر -رضي الله عنه-: «{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} البقرة: 197: شوالٌ، وذو القعدة، وذو الحجّة» رواه سعيد بن منصور، والبيهقيّ في السنن، وإسناده صحيحٌ.
وكذا ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: صحَّحه ابن حزمٍ في المحلى.
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: أخرجه البخاريّ معلقًا بصيغة الجزم.
ودليل الشافعيَّة: حديث عروة بن مُضَرِّسٍ -رضي الله عنه-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رواه أحمد وأبو داود والترمذيّ وصحَّحه، والنسائي وابن ماجه، وقال الحافظ في التلخيص: "صحَّحه الدارقطني".
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يلزم من فوات الحجّ بطلوع فجر يوم النحر انتهاء أشهر الحجّ بذلك؛ إذ إنَّ كثيرًا من أعمال الحجّ بعد طلوع الفجر يوم النحر.
والأقرب: ما ذهب إليه المالكيَّة؛ إذ هو ظاهر القرآن. والآثارُ الواردة عن الصحابة -رضي الله عنهم- مختلفةٌ.
وإن أحرم بالحجّ قبل أشهره: فالمذهب ومذهب مالك: أن الإحرام بالحجّ قبل أشهره ينعقد حجًّا مع الكراهة.
وعند الشافعيَّة: ينعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام.
وعند الحنفيَّة: ينعقد حجًّا مع التحريم.
دليل انعقاده عند الجمهور: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} البقرة: 189 فدلت هذه الآية أن جميع الأهلة وقت للحجّ، يستثنى من ذلك أفعاله؛ للإجماع على أنها لا تُفعل إلا في أوقات معينة.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إنما يكون الهلال وقتًا للشيء إذا اختلف حكمه به وجودًا وعدمًا، مثل أن تنقضي به عدةٌ أو يجب به صومٌ، ولو كان جميع العام وقتًا للحجّ لم تكن الأهلة ميقاتًا للحجّ، كما لم تكن ميقاتًا للعمرة، بل الآية دالةٌ على أن الحجّ مؤقتٌ بجنس الأهلة، والجنس يحصل بهلالين وثلاثة.
وبقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196 دلت هذه الآية على أن من أحرم لزمه إتمامه بعد الشروع فيه، وهذا عام في أشهر الحجّ وغيرها.
ونوقش: بأنه إنما يلزمه الإتمام؛ إذا أحرم في أشهر الحجّ.
ودليل الكراهة: أنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، أشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني.
ودليل التحريم عند الحنفيَّة: ما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-.
ودليل عـدم انعقـاده حجًّا عند الشـافعيَّة: قـولـه تعـالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} البقرة: 197 فالتوقيت هنا للإحرام لا لأفعال الحجّ؛ إذ الوقوف في يومٍ معينٍ، والمبيت والرمي في أوقاتٍ معينةٍ، فدلّ على أن التوقيت أول شوال إنما هو للإحرام.
وبحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «من السنة ألّا يحرم بالحجّ إلا في أشهر الحجّ» رواه البخاريّ معلقًا بصيغة الجزم.
ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أحرم في أشهر الحجّ، وقد قـال -صلى الله عليه وسلم-: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
ولما ورد أن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «سئل عن الرجل: أَيُهِلُّ بالحجّ قبل أشهره؟ قال: لا» رواه الدارقطني، وصحَّحه ابن كثير في إرشاد الفقيه.
وعن أبي إسحاق، قال: كان ابن أبي نُعم يُهِلُّ بالحجّ في غير أشهر الحجّ، فقال عمرو بن ميمون: "لو أدرك هذا أصحاب محمد لرجموه" رواه ابن أبي شيبة وإسناده صحيحٌ.
ودليلهم على أنه ينعقد عمرة: أن العمرة هي الحجّ الأصغر، فإذا لم ينعقد الأكبر انعقد الأصغر؛ لكونه وقتًا له، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة» رواه مسلمٌ.
وكما لو أحرم بالفرض قبل دخول وقته انعقد نفلًا، فكذا هنا.
وعلى هذا فالأقرب: قول الشافعيَّة، وأن الحجّ لا ينعقد بالإحرام به قبل أشهره، وإنما ينعقد عمرة؛ لأن العمرة هي الحجّ الأصغر، فلما تعذر الحجّ الأكبر رجعنا إلى الحجّ الأصغر وهي العمرة، وأيضًا كالصلاة فإن الإنسان إذا أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت فإن إحرامه ينعقد نافلة.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟