الأحد 21 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 14-05-2026

أحوال صلاة المريض

الجواب
الحمد لله، المرض: هو اعتلال الصحة.
وصلاة المريض لها أحوال: 
الحال الأولى: أن يُصلِّيَ صلاةً تامةً، كصلاة الصحيح، وهذا هو الأصل، وهذا "تلزمه الصلاة قائمًا"؛ لأن القيام فرضٌ في المكتوبة دون النافلة.
ويدلُّ لهذه الحال: حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فإنه شكا إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن به بواسيرَ، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
فتلزم المريضَ الصلاةُ قائمًا ولو كراكع، أو معتمدًا، أو مستندًا على شيءٍ.
الحال الثانية: قال صاحب الزاد: "فإن لم يستطع فقاعداً" إذا كان لا يستطيع أن يُصلِّيَ قائمًا فإنه يصلي قاعدًا. 
وقوله: "فإن لم يستطع" أنه لا ينتقل إلى الصلاة قاعدًا، أي: إلى الحال الثانية إلا إذا لم يستطع الصلاة قائمًا بالكلية، وهذا ليس مرادًا؛ لأن المذهب إذا شقَّ عليه القيامُ، لضررٍ أو زيادة مرضٍ ونحو ذلك جلس. 
وعلى هذا: إذا عجَز عن الصلاة قائمًا، أو حصل له مشقةٌ ظاهرةٌ، أي: يلحقه من القلق والضجر بحيث يودُّ لو جلس، فنقول: ينتقل إلى الحال الثانية وهي: أن يُصلِّيَ جالسًا، ولهذا قال بعض العلماء: إن لحقه بالقيام مشقةٌ تُذهب خشوعَه جلس؛ لأن الخشوع مقصودُ الصلاة.
ودليل ذلك: حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
وكيفية الصلاة قاعدًا: أن يُصلِّيَ مُتربِّعًا ندبًا، وهذا هو المذهب ومذهب المالكيَّة؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي مُتربِّعًا» رواه النسائي والحاكم. وقال النسائي: "لا أعلم أحدًا رواهُ غيرَ أبي دَاوُد الحَفَري، وهو ثقةٌ، ولا أحْسِبُه إلا خطأً". وقد تابع الحفَريَّ محمدُ بن سعيد بن الأصبهاني، وهو ثقةٌ.
ومـا ورد عن أنـس بن مالـكٍ -رضي الله عنه- «أنـه صلى متربعًا». رواه ابن أبي شـيبة والبيهقي. وأورده البخاريُّ تعليقًا.
وعن نافعٍ: "أن ابن عمرَ صلى مُتربِّعًا من وجعٍ" أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح. قالوا: ويَثني رجليه في ركوعٍ وسجودٍ، أي: يردُّ بعضَها على بعضٍ، كمتنفلٍ ركبتاه إلى القِبلة.
وعند الشافعيَّة: الأفضلُ الافتراش؛ إذْ هو الأصل في جلسات الصلاة.
وعند الحنفيَّة: أمَّا في حال التَّشهُّد: فإنه يجلس كما يجلس للتَّشهُّد.
وأمَّا في حال القراءة والركوع: فروي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء من غير كراهةٍ؛ لأن عذرَ المرض أسقطَ عنه الأركان، فلأن يُسقِطَ عنه الهيئات أولى.
وعلى هذا يتربَّعُ حال القيام. والتربُّع هو: أن يَثني ساقيه إلى فخذيه، وأمَّا في غير حال القيام؛ في حال الجلسة بين السجدتين، والتَّشهُّد ونحو ذلك، فيجلس كما يجلس الصحيـح؛ يفترش في الجلسة بين السجـدتين، وفي التَّشهُّد الأول، ويتورك في التَّشهُّد الأخير، ويفعل كما يفعل الصحيح، فيرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، ويضع يده اليمنى على يده اليسرى في حال القيام على صدره، وإذا أراد الركوع رفع يديه، ويضع يديه على ركبتيه.
وإذا أراد الرفع من الركوع رفع يديه، وإذا كان يستطيع أن يسجد فإنه يسجد سجودًا تامًّا.
قال صاحب الزاد: "فإن عجز فعلى جنبه" هذه هي الحال الثالثة للمريض، وهي أن يعجِزَ عن الصلاة قاعدًا، أو يشقَّ عليه كما ورد، صلى على جنبه؛ لحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
ويكون وجهُه إلى القِبلة، وإن لم يكن مَنْ يوجِّهُهُ إلى القِبلة صلى على أي جهةٍ توجَّه، وهذا قول الجمهور.
وعند الحنفيَّة وبه قال سعيد بن المسيب وأبو ثور: يصلي مستلقيًا، ورجلاه إلى القِبلة؛ ليكون إيماؤه إليها، فإنه إذا صلى على جنبه كان وجهُه في الإيماء إلى غير القِبلة.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
وقوله: "فإن عجز فعلى جنبه" لم يُبيِّنْ هل يكون على جنبه الأيمن، أو على جنبه الأيسر؟ 
الفقهاء -رحمهم الله- يقولون: كلاهما جائزٌ، والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن.
والدليل على ذلك: أن هذه هي هيئة النائم، فالنائم يُستحبُّ له أن ينام على جنبه الأيمن، والصواب في ذلك أن يقال: إن هذا ليس على إطلاقه، بل يفعل المريض ما هو الأيسر والأسهل له.
وعلى هذا: تكون هذه المسألة لها ثلاث حالات: 
الحال الأولى: أن يكون الأسهل الجنبَ الأيمن، فيكون على الجنب الأيمن. 
الحال الثانية: أن يكون الأسهل الجنبَ الأيسر، فيكون على جنبه الأيسر.
هذا هو الأفضل؛ لأن الصلاة شُرعت على هذه الصفة من باب التسهيل والتيسير، فكُلَّمَا كان في الصفة والهيئة تسهيلٌ وتيسيرٌ كانت أولى وأفضل. 
الحال الثالثة: أن يتساوى الأمران، فنقول: الأفضل أن يكون على جنبه الأيمن. 
قال صاحب الزاد: "فان صلَّى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة صح" تقدم أن الحالة الثالثة أن يُصلِّيَ على جنبه، فلو لم يُصلِّ على جنبه، وإنما صلى مستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القِبلة صحَّ.
وهذا هو المذهب، وتقدم مذهب الحنفيَّة؛ لأنه نوعُ استقبالٍ، ولهذا يوجَّهُ الميت كذلك عند الموت، ويُكره على المذهب مع القدرة على جنبه وإلا تعيَّن.
 وعند مالك والشافعي، وهو وجه عند الحنابلة: تَصِحُّ هذه الهيئة إن عجَز عن الاضطجاع على جنب؛ لحديث عمران -رضي الله عنه-.
والصواب في هذا الحال أن يقال: إن الأحوط أن يفعل الإنسان ما دلَّ له حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فيصلي على جنبه الأيمن أو الأيسر كما سبق تفسير ذلك، لكن لو شقَّ عليه وصلى مستلقيًا ورجلاه إلى القِبلة فالصلاة صحيحةٌ.
قال صاحب الزاد: "ويومئ راكعا وساجدا ويخفضه عن الركوع" أي: يومئ برأسه للركوع والسجود ما أمكنه ذلك وجوبًا، ويكون السجودُ أخفضَ من الركوع.
قال بعض الفقهاء: أقلُّ الركوع مقابلةُ وجهه أمام ركبته أدنى مقابلة، وكمالُ الركوع: أن يقابِلَ كاملُ وجهه ما بعد ركبتيه.
إذا صلى على جنبه: يومئ برأسه إلى صدره بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفضَ من ركوعه، ولا يكون إيماؤه إلى الأرض.
قال صاحب الزاد: "فإن عجز أومأ بعينيه" هذه هي الحال الرابعة من أحوال صلاة المريض إذا عجَز عن الإيماء بالرأس، فإنه يومئ بطَرْفه، فيفتح عينيه، فإذا أراد الركوع أغلقهما شيئًا يسيرًا، وإذا أراد السجود أغلقهما أكثرَ من ذلك، وإذا رفع من السجود فتحهما. 
وهذا هو المذهب، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ بطرفه»، وهذا الحديث ضعيفٌ لا يثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فيه الحسن بن الحسين العرني، والحسين بن زيد الهاشمي ضعيفان.
وعند الحنفيَّة، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام: أن الصلاة لا تشرع بالطَّرْفِ؛ لعدم ثبوت شيءٍ فيه.
والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام t، وهو أن الإيماءَ بالطَّرْف أي: بالعين لا يشرع؛ لعدم ثبوت الحديث.
أيضًا عند العامة الصلاة بالإصبع وأنه يحرِّكُ إصبعه، وهذا ليس له أصلٌ، ولم يردْ فيه حديث ضعيفٌ، ولا صحيحٌ.
الحال الخامسة: إذا لم يتمكَّنْ من الإيماء فإنه يصلي بقلبه، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، هذا ما عليه جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
وعند أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام: أن الصلاة تسقط إذا عجَز عن الإيماء بالرأس؛ لحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فهذا الذي أرشد إليه النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
لكن نقول: هذا الحديث أرشد إليه النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بناءً على غالب الحال.
ولقول أبي سعيد -رضي الله عنه- لَمَّا قيل له: الصلاة، قال: «قد كفاني العمل، إنما العمل في الصحة».
واستدلَّ مَن قال بعدم سقوطها: بعموم أدلة وجوب الصلاة.
وهذا هو الأقرب والأحوط. 
والصواب: أنه إذا عجَز عن الإيماء بالرأس فإنه يصلي بقلبه، فإذا كان لا يتمكن أن يحرِّكَ لسانه فإنه يستحضر الأقوالَ والأفعالَ، فيستحضر أنه كبَّر وقرأ، وأنه ركع ورفع ونحو ذلك، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا؛ للأدلة على وجوب الصلاة، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}[البقرة:43].
قال صاحب الزاد: "فإن قدِر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر" وعلى هذا: ينتقل إلى القيام مَن قدَر عليه، وإلى الجلوس مَن عجَز عنه بالاتفاق بين الأئمة.
ويدلُّ لذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدرُ ما يكون ثلاثين أو أربعين آيةً قام، فقرأ وهو قائم، ثُمَّ ركع ثُمَّ سجد، ثُمَّ يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك» متفقٌ عليه.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟