الخميس 27 ذو القعدة 1447 هـ

تاريخ النشر : 23-11-2025

هل التداوي عبر الأنف والعين والأذن ووصوله إلى جوف الصائم يفسد الصوم ؟

الجواب

س: هل يُعد استخدام الدواء عن طريق الأنف (السعوط) من المفطرات؟
ج: الحمد لله، اختلف العلمـاء -رحمهم الله- في كون الاستعاط (شفط الدواء بقوة) مفطرًا على قولين:
القول الأول: أنه يفطر إذا وصل حلقه، وبه قال الإمام مالك.
وحجته: أنه منفذٌ أعلى، ولا ينفك المستعط من وصول ذلك إلى حلقه.
القول الثاني: أنه يفطر إذا وصل حلقه، أو دِماغه، وهو قول الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة.
وبعض العلماء رجح ما ذهب إليه المالكيَّة من أن مُداواة الأنف تفطِّر إذا وصل الدواء إلى الحلق؛ لأن وصوله إلى الحلق مظنّة وصوله إلى المعدة؛ إذ الواصل إلى الحلق لا يُتحكم فيه، فينزل مباشرة إلى الجوف، والظنّ معتبَر في باب العبادات.     

س: هل تُعدُّ قطرة الأنف من المفطرات؟ 
ج: الحمد لله، اختلف العلماء -رحمهم الله- في قطرة الأنف هل تفطر أم لا ؟:
القول الأول: أنَّ القطرة في الأنف تفطِّر إذا وصلت إلى الحلق عند المالكيَّة.
وعند الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة: تفطِّر إذا وصلت إلى الحلق أو الدماغ، كما يُقال في مداواة الأنف؛ لقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث لقيطٍ -رضي الله عنه-: «وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا».
وأيضًا نهي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عن المبالغة في الاستنشاق يتضمن النهي عن إدخال أي شيء عن طريق الأنف، ولو كان يسيرًا؛ لأن الداخل عن طريق المبالغة شيءٌ يسيرٌ.
القول الثاني: أنَّ القطرة في الأنف لا تفطر، وبه قال بعض المتأخرين.
وحجته: أن ما يصل إلى المعدة من هذه القطرة قليلٌ جدًّا، فإنَّ الملعقة الواحدة الصغيرة تتسع إلى 3 ــ 5 سم من السَّوائل، وكل 3 سم يمثل خمس عشرة قطرة، فالقطرة الواحدة تمثل جزءًا من خمسة وسبعين جزءًا.
والأقرب: أنها تفطر، وبه قال الشيخان ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله-.

س: إذا اكتحل الصائم ووجد طعم الكحل في حلقه فهل يفسد صومه؟
ج: الحمد لله، مذهب أحمد ومالك: الفطر بالكحل إذا وصل إلى الحلق.
وعند أبي حنيفة والشافعي، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يفطر بالكحل، ولو وجد طعمه في حلقه، وهو الراجح.
ودليل من قال بالإفطار بالكحل:
أولًا: ما رُوي عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد، عن أبيه، عن جده، عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه أمر بالإثمد الـمُروَّح عند النوم، وقال: لِيَتَّقِهِ الصائمُ» رواه أبو داود وأحمد، قال يحيى بن معين: "حديثٌ منكرٌ" واستنكره الإمام أحمد.
ثانيًا: ما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال: "الفطر مما دخل وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل".
وقـد ورد مرفوعًا، بلفـظ: «الوضوء ممـا خرج، وليس ممـا دخـل» رواه الدارقطني والبيهقي، لكن في إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيفٌ جدًّا.
ودليـل عدم الإفطـار بالكحل:
أولًا: حديث عائشـة -رضي الله عنها-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اكتحل في رمضان وهو صائم» رواه ابن ماجه، وفي إسناده بقية، وسعيد بن أبي سعيد، ضعيفٌ. 
ثانيًا: حديث أبي رافعٍ -رضي الله عنه-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكتحل وهو صائم» قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "هذا حديثٌ منكرٌ".
ثالثًا: حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: «خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعيناه مَمْلُوءَتَان من الكُحل؛ وذلك في رمضان وهو صائم»، قال ابن الملقّن في البدر المنير: "ذكره ابن طاهر في تذكرته، وأعلَّه بسعيد بن زيد، وقال: هو أخو حماد بن زيد".
رابعًا: حديث أنسٍ -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: اشْتَكَتْ عَيني، أَفَأَكْتَحِلُ وأنا صائم؟ قال: نعم» رواه الترمذي ثم قال: "ليس إسناده بالقوي، ولا يصح عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب شيءٌ".
خامسًا: عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه-: "أنه كان يكتحل وهو صائم" رواه أبو داود وابن أبي شيبة، وأخرجه البخاريُّ معلقًا بصيغة الجزم. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: "لا بأس بإسناده".
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال الحافظ: "بإسنادٍ جيدٍ".
سادسًا: لأن العين ليست منفذًا معتادًا، فلم يفطر بالداخل منها.

س: هل تُعَدُّ قطرة العين من المفطرات؟
ج: الحمد لله، قطرة العين ليست مفطرةً، وهو مقتضى قول الحنفيَّة والشافعيَّة، وبه قال الشيخ ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- وغيرهما، خلافًا للمالكية والحنابلة؛ فعندهم إذا وصل شيءٌ من القطرة إلى الحلق فسد صومه.
واستدل الفريق الأول بأن قطرة العين الواحدة = 0,06 من السنتيمتر المكعب، وهذا المقدار لن يصل إلى المعدة، فإن هذه القطرة أثناء مرورها بالقناة الدمعية فإنها تُمتص جميعًا ولا تصل إلى البلعوم، وإذا قلنا: إنه سيصل إلى المعدة شيءٌ فهو يسيرٌ، والشيء اليسير يُعفى عنه، كما يُعفى عن الماء المتبقِّي بعد المضمضة.
وعلى هذا: فالصواب: أنها لا تفطِّر، وأما القياس على الكحل فلا يصح؛ لأنه لم يثبت أنه مفطِّر، والحديث الوارد فيه ضعيفٌ؛ ولأنه قياسٌ في محلّ خلافٍ.

س: ما حكم استخدام الصائم للعدسات اللاصقة؟
ج: الحمد لله، العدسات اللاصقة: هي نوعٌ من البلاستيك الخاص المصنع طبيًّا، كبديل للنظارات، وكذا للزينة وتجميل العين، ويتم لبس العدسات إما مقرونًا ببعض المحاليل المعقِّمة والمطهِّرة، أو بدون محاليل.
فهذا قد يُقال فيه ما قيل في قطرات العين، مع أنه أقل من قطرة العين.

س: هل يُعدُّ التفطير في الأُذن من المفطرات؟  

ج: الحمد لله، اختلف العلماء -رحمهم الله- في تقطير دهنٍ ونحوه في الأذن على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يفطر، وبه قال بعض الشافعيَّة، وبعض الحنابلة، وبه قال الأوزاعي، والليث، وهو قول الظاهرية، واختاره شيخ الإسلام.
وحجَّتهم:
أولًا: ما ورد من الأدلة على عدم التفطير بالداخل إلى كل جوف.
ثانيًا: أنها لا يطلق عليها اسم الأكل أو الشرب لا لغةً ولا عرفًا.
القول الثاني: أنه يفطر إذا وصل إلى حلقه، وبه قال المالكيَّة.
وحجَّتهم: أنه نافذٌ من منفذٍ أعلى، فإذا وصل حلقه نفذ إلى جوفه؛ إذ لا يتحكم بالواصل إلى الحلق.
القول الثالث: أنه يفطر إذا وصل إلى دماغه، أو حلقه، وبه قال الحنفيَّة والشافعيَّة، والحنابلة؛ لما ورد من الأدلة على الفطر بكل داخل إلى جوف.
ولأنه لا يمكن لأي سائلٍ أو قطرةٍ توضع في الأذن الخارجية الوصول إلى البلعوم -أي الحلق- ما لم يكن غشاء الطبلة مثقوبًا.
وقيل: بأنه لا يفطر ولو كان غشاء الطبلة مثقوبًا؛ لأنه من المقرر طبيًّا أن المسافة بين الأذن الخارجية إلى المعدة حوالي 60سم، فالقطرات لا تصل إلى المعدة إلا بنسبة تكاد تكون بحكم المعدوم.
وأما الطعم القوي الذي يشعر به المريض في حلقه، فهو بسبب وجود براعم التذوق في لسان المزمار.

س: هل غسول الأذن يفطر الصائم؟
ج: الحمد لله، غسول الأذن: حُكمه حُكم قطرة الأُذن: إلا أن العلماء قالوا: إذا خرقت طبلة الأذن فإنه ستكون الكمية الداخلة إلى الأذن كثيرةً فتكون مفطرة؛ لأن الأذن في هذه الحالة تعتبر منفذًا إلى الجوف.
فإذًا غسول الأذن ينقسم إلى قسمين:
الأول: إذا كانت الطبلة غير مخروقةٍ: فلا يفطر.
الثاني: إذا كانت الطبلة مخروقةً فيفطر.

س: ما معنى "الجوف" الذي يذكره الفقهاء في باب الصيام؟ وما الحكم إذا وصل شيء إلى الجوف أثناء الصوم؟
ج: الحمد لله، الجوف على مذهب الحنابلة: كل مسمَّى جوفٍ، كالدماغ، والمعدة، والحلق، والدبر، وباطن فرج المرأة، بخلاف إحليل الذكر، وبه قال الشافعيَّة.
القول الثاني: أن المراد به المعدة، والدماغ، والحلق، وبه قال الحنفيَّة.
القول الثـالث: الجوف: هو المعدة، والحلق، والدمـاغ، فيحصل الفطر بوصول المائع إلى الحلق، وإن لم يجاوزه، وبه قال المالكيَّة.
القول الرابع: أن المراد به المعدة، وبه قال شيخ الإسلام؛ لأن من نشق الماء بمَنْخرَيه ينزل الماء في حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء.
ويتلخص لنا ما يلي:
أولًا: الواصل إلى المعدة، فإنه مفطر مطلقًا، ولو كان غير مغذٍّ كالحصاة ونحوها، ويدل لهذا: ما رواه البخاريُّ من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، قال: أتيت جابرًا -رضي الله عنه-، فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرَضَت كُدَيَّةٌ شديدة، فجاؤوا النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هذه كُدَيَّة عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوبٌ بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا» رواه البخاريُّ.   
ولأن هذه الحصاة ونحوها تشغل حيزًا من المعدة، فيحصل للمعالج الشعور بالشبع الجزئي وتقلص الإحساس بالجوع.
ثانيًا: الواصل إلى الحلق مفطرٌ عند عامة العلماء من منفذٍ معتادٍ.
وسبب بناء الفقهاء المفطرات بوصولها إلى الحلق دون بناء حكمها بوصولها إلى المعدة؛ لأن الإنسان يدرك بإحساسه وصول الأشياء إلى الحلق، لكنه غالبًا لا يحس بوصولها إلى المعدة، فتعلق الحكم بما يحصل به الإحساس، والصائم يتحكم بالمفطر ما دام في فمه، فإذا وصل إلى حلقه فقد فاته الإمساك الذي هو حقيقة الصيام.
ثالثًا: الواصل إلى الأمعاء الغليظة مفطرٌ.
رابعًا: الواصل إلى باطن الأذن مفطرٌ إن كانت الطبلة مثقوبة.
خامسًا: الواصل إلى باطن العين غير مفطرٍ، كما في الكحل.
سادسًا: الواصل إلى باطن الإحليل، والمثانة، وقُبل المرأة غير مفطرٍ.
سابعًا: الواصل عن طريق مسام جلد الرأس غير مفطرٍ عند عامة العلماء.
ثامنًا: الواصل عن طريق الحقن في الأوردة أو المسام يفطر منها ما كان مغذيًّا.
تاسعًا: الواصل للدماغ غير مفطرٍ.

س: ما هي عِلة التفطير بالنافذ إلى الجوف؟
ج: الحمد لله، الذي يظهر في عِلة التفطير بالنافذ إلى الجوف هي التغذية في الجملة في مذاهب الأئمة، أو ما كان في معناه كابتلاع حصاة.
س: هل مداواة الرأس والجوف لها أثر على الصيام؟
ج: الحمد لله، الطب الحديث يرى أنه لا علاقة بين الدماغ والجوف والجهاز الهضمي، إلا إذا كانت المداواة للمعدة والأمعاء، وعلى هذا: فمداواة الرأس والجوف لا أثر لها على الصيام.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟