الإثنين 0 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 15-12-2025

أحكام زكاة عروض التجارة وكيفية حسابها

الجواب

س: ما هي عروض التجارة؟ وهل فيها زكاة؟
ج: الحمد لله، العُروض: جمع عَرْض، وهو ما أُعد للبيع والشراء لأجل الربح. وسمي بذلك لأنه يُعرض ليُباع ويشترى، أو يُعرض ثم يَزول.
والأئمة الأربعة على وجوب الزكاة فيها، ودليل ذلك:
أولًا: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} البقرة: 267 وعلى هذه الآيـة بوَّب البخـاري: (باب صدقـة الكسب والتجارة).
ثانيًا: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} المعارج: 24، وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103 وأموال التجارة أعم الأموال، فتدخل في هذا العموم.
ثالثًا: حديث عمر -رضي الله عنه-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفقٌ عليه.
والعروض لا تُراد لذاتها، وإنما تُراد لقيمتها، والقيمة تجب فيها الزكاة.
رابعًا: حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا أن نُخرج الصدقة مما نُعِدُّ للبيع» رواه أبو داود والدارقطني، وسكت عنه أبو داود والمنذري في مختصر السنن، وهو تحسين منهما. وحسَّنه ابن عبد البر كما في نصب الراية، وليَّن إسناده الحافظ، وطعن في إسناده ابن حزمٍ.
خامسًا: وروده عن الصحابة -رضي الله عنهم-، فمن ذلك: ما رواه عبدٌ القاريّ قال: "كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ثم حَسَبها؛ شاهِدَهَا وغائبها، ثم أخذ الزكاة..." رواه ابن أبي شيبة، وابن حزمٍ في المحلّى وصححه.
ومن ذلك: ما رواه السائب بن يزيد "أن أباه كان يقوِّم خيله، فيدفع صدقتها من أثمانها إلى عمر بن الخطاب" قال يونس: وقال ابن شهاب: "وبلغنا أن عثمان -رضي الله عنه- فرض على أهل البدو، في كل فرس دينارًا أو شاتين" رواه ابن زنجويه في الأموال، وإسناده صحيحٌ.
ومن ذلك: ما رواه أبو عمرو بن حِمَاس عن أبيه قال: "مرَّ بي عمر فقال: يا حِماس، أدِّ زكاة مالك، فقلت: ما لي مالٌ إلا جِعَابٌ وأُدُمٌ، فقال: قوِّمها قيمةً ثم أدّ زكاتها" رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وضعَّفه ابن حزمٍ؛ لأن حِماسًا وابنه مجهولان، وتعقبه أحمد شاكر في تعليقه على المحلى بأنهما ثقتان معروفان.
وكذا ورد عن ابن عمر: رواه البيهقي، وابن حزمٍ وصححه، وكذا ابن عباسٍ: رواه أبو عبيد في الأموال، وصححه ابن حزمٍ أيضًا.
وقيل: بعدم الوجوب، وهو قول الظاهرية.
ودليلهم: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «ليس على الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ ولا في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه.
ونوقش الاستدلال: بأن المراد الفرس والعبد الْمُعَدُّ للخدمة فلا زكاة فيهما.
ثانيًا: أن الأصل حرمة مال المسلم وبراءة الذمة.
ونوقش: بثبوت وجوب الزكاة في العروض.

س: ماذا يُشترط لوجوب زكاة العروض؟
ج: الحمد لله، يُشترط لوجوب زكاة العروض شروط:
الشرط الأول: أن يملكها بفعله، كالبيع والنكاح، أي: مِلْك المهر للمرأة، والخلع أي: بدل الخلع من المرأة للزوج، وقبول الهبة والوصية. فعلى المذهب، وهو قول الجمهور لا تكون عروض تجارة إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يتملك العروض بفعله بنية التجارة.
وذلك بأن يتملك العروض بفعله كالبيع، وبنية التجارة، فلو مَلَك العقار بغير فعله كالإرث، أو بفعله دون نية التجارة، فلا زكاة فيه، وهو قول جمهور العلماء.
وحجته:
أولًا: أن الزكاة إنما وجبت في العَرْض لأجل التجارة، والتجارة تصرُّفٌ وفعلٌ، والحكم إذا عُلِّق بفعل لم يثبت بمجرد النِّية حتى يقترن به الفعل، وشاهد ذلك من الزكاة: أن زكاة المواشي تجب بالسوم، فلو نوى سومها وهي معلوفة لم تجب الزكاة بمجرد النِّية حتى يقترن بها السوم، وزكاة الفضة واجبةٌ إلا أن يتخذها حليًّا، فلو نوى أن تكون حليًّا لم تسقط الزكاة بمجرد النِّية حتى يقترن بها الفعل.
ثانيًا: أن الأصل في العروض القُنية، فإذا صارت للقُنية لم تنتقل عنه بمجرد النِّية، كما لو نوى الحاضر السفر فلا يكفي مجرد النية، ولكن عكسه ما لو نوى المسافر الإقامة، يكفي فيه مجرد النِّية.
القول الثاني: أن ذلك ليس بشرطٍ، فتجب الزكاة بنية التجارة، وبه قال بعض الشافعيَّة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وحجته:
أولًا: حديث عمر -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» متفقٌ عليه. وقد نوى بهذا العَرْض التجارة فيكون لها.
ثانيًا: حديث سمرة -رضي الله عنه- قال: «أَمَرَنَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج الصدقة مما نعدُّه للبيع»، وإذا نوى أصبح مُعَدًّا للبيع.
ثالثًا: أن عَرْض التجارة لو نوى به القنية سقطت زكاته بمجرد النِّية، فكذلك عَرْض القنية إذا نوى به التجارة جرت فيه الزكاة بمجرد النِّية.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياسٌ مع الفارق، والفرق بين أن يصير للقُنية بمجرد النِّية ولا يصير للتجارة: أن القنية كفٌّ وإمساكٌ، فإذا نواها فقد وجد الكفّ والإمساك معها من غير فعل يحتاج إلى إحداثه فصار للقنية، والتجارة فعلٌ وتصرفٌ ببيعٍ وشراءٍ، فإذا نواها وتجردت النِّية عن فعل يقارنها لم تصر للتجارة؛ لأن الفعل لم يوجد.
والأقرب: أن العرض يصير للتجارة بمجرد النِّية من غير فرق بين ما كان سببه عقد معاوضة محضة أو غير محضة أو إرث؛ لقوة دليله.
وعلى رأي الجمهور تنقسم المسألة إلى أقسام:
القسم الأول: إذا ملكها بعقد معاوضةٍ محضةٍ كالبيع، واتصلت نية التجارة بفعله، فالعَرْض يصير للتجارة، باتفاق الفقهاء جميعًا.
مثال ذلك: اشترى سيارة بنية التجارة، فتكون عروض تجارة، تجب فيها الزكاة باتفاق الفقهاء.
القسم الثاني: إذا ملكها بعقد معاوضة محضة كالبيع، دون نية التجارة.
مثاله: اشترى سيارة دون نية التجارة، ثم نواها للتجارة وفيها قولان:
القول الأول: أنَّ ما كان مملوكًا بعقد معاوضة تكفي فيه مجرد النِّية، وهو ما ذهب إليه الشافعيَّة، ورواية عن أحمد.
القول الثـاني: أنـه لا يصير العَرْض للتجارة بمجرد النِّية بعد الْمِلْك، بل لا بُدَّ من اتصال النِّية بالعمل، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة.
وعلى هذا: يكون مالًا زكويًّا إذا باعه بنقدٍ؛ لأن التجارة فعلٌ وعملٌ، فلا يتم بمجرد النِّية، كنية السفر والإسلام والإفطار، حيث لا يحصل واحدٌ منها بمجرد النِّية.
القسم الثالث: إذا كان مملوكًا بمعاوضةٍ غير محضةٍ، كالنكاح والخلع والصلح عن دم عمدٍ، ونحو ذلك، فللعلماء قولان:
القول الأول: أنه تكفي فيه مجرد النِّية، فيصير للتجارة بمجرد النِّية بعد ملكه، وبه قال أبو يوسف، وهو قول الشافعيَّة.
القول الثاني: أنه لا يصير للتجارة بمجرد النِّية، بل لا بُدَّ من اتصال ملكه بنية التجارة، ولا تكفي النِّية بعد ملكه، وبه قال محمد بن الحسن، وهو مذهب المالكيَّة، والحنابلة. فلا زكاة عليه إلا بعد بيعه حيث يستقبل بثمنه حولًا.
القسم الرابع: إذا كان مملوكًا بغير عوض، كقبول الهبة، والوصية، والغنيمة، والاحتطاب، ونحو ذلك، فللعلماء قولان:
القول الأول: أنه تكفي فيه مجرد النِّية، وبه قال أبو يوسف، ورواية عن أحمد.
وحجته: أولًا: أنه مَلَكَهُ بفعله أشبه ما لو مَلَكَه بعوضٍ.
ثانيًا: ولأن التجارة عقد اكتساب المال، فما لا يدخل في مُلْكِه إلا بقبوله فهو كسبه، فيصح اقتران نية التجارة بفعله كالشراء والإجارة.
القول الثاني: أنه لا يصير العرض للتجارة بمجرد النِّية، بل لا بُدَّ من اتصال النِّية بالعمل، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفيَّة، وهو مذهب المالكيَّة، والشافعيَّة، والحنابلة.
فلا زكاة عليه إلا بعد بيعه حيث يستقبل بثمنه حولًا.
وحجته: أنه لم يملكه بعوض أشبه الموروث.
ونوقش: بالفرق بأن الموروث يدخل في ملكه قهرًا بخلاف هذا.
القسم الخامس: ما ملك بإرثٍ، أي بغير فعله، فللعلماء قولان:
القول الأول: أنه تكفي فيه مجرد النِّية، ويكون عَرْض تجارة، وهو رواية عن أحمد.
القول الثاني: أنه لا يصير العَرْض المملوك بإرثٍ للتجارة بمجرد النِّية، وبه قال الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنابلة.
فلا زكاة عليه إلا بعد بيعه حيث يستقبل بثمنه حولًا؛ لأن الأصل القُنية، والتجارة عارض، فلم يصر لها بمجرد النِّية، كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل، والنِّية فيما ورثه تجردت عن العمل أيضًا، فالميراث يدخل في ملكه بغير عمله.
ونوقش: بأن هذا نوع اكتساب أشبه التجارة، والقصد واحد.
الشرط الثاني: النصاب، أي: إذا بلغت قيمتها نصابًا، والمعتبر من الذهب أو الفضة هو الأحَظّ للفقراء، والآن الأحَظّ هو الفضة، أي: بلغت خمسمائة وخمسة وتسعين غرامًا من الفضة، وجبت فيها الزكاة.
والمذهب: يعتبر كمال النِّصاب في جميع الحول من أوله إلى آخره، سواءٌ كان عُروض تجارةٍ، أو سائمةً، أو ذهبًا وفضةً، فمتى نقص النِّصاب في أي لحظةٍ من الحول انقطع الحول.
لحديث أنسٍ -رضي الله عنه-، وفيه قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه. فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- جعل كمال النِّصاب في الحول غايةً في الوجوب.
ولما ورد من الأدلة، ومنها: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» وهذا يشمل جميع الحول.
ولأن ما نقص عن النِّصاب لم يَحُلْ عليه الحول.
الشرط الثـالث: من شروط وجوب الزكاة في العروض: أن يكون تداوله بالنقد، فإن كان تداوله بالعروض دون النقد فلا زكاة فيه، وهذا هو المشهور عند المالكيَّة.
وحجته: أنه لو غنمه أو ورثه أو وهب له عرضٌ، فنوى به التجارة، لم يكن عليه زكاةٌ إذا باعه؛ لأن أصله لم يكن عينًا فكذلك شراؤه بِعَرَضٍ.
القول الثاني: أن فيه الزكاة إذا نوى به التجارة، وبه قال الحنفيَّة، والشافعيَّة، والحنابلة، وهو روايةٌ عن مالك.
وحجته:
أولًا: ما ورد من الأدلة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهذه عروض للتجارة مع النِّية.
ثانيًا: ولأنه مالٌ اشتراه للتجارة فوجب أن تجب زكاته، كما إذا اشتراه بناضٍّ من ذهب أو ورق.
والراجح: قول جمهور أهل العلم؛ لقوة دليله.

س: ما هو الوقت المعتبر في قيمة عروض التجارة؟
ج: الحمد لله، الوقت المعتبر في قيمة عروض التجارة: وقت الوجوب هو يوم حولان الحول، وبه قال أبو حنيفة، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة؛ لأنه وقت تمام الحول وهو وقت الوجوب، فكان هو المعتبَر في القيمة.

س: ما الحكم إذا أبدل عَرَضًا بثمن، أو العكس أثناء الحول؟
ج: الحمد لله، عندنا ثلاث صور:
الصورة الأولى: أبدل عروض تجارةٍ بأثمانٍ، فهذا يبني، ولا يستأنف.
الصورة الثانية: أبدل عروض تجارةٍ بمالٍ زكويٍّ آخر غير الأثمان، وهذا لا يبني ويستأنف.
مثال ذلك: لو أبدل عروض تجارةٍ بسائمةٍ، لا يبني بل يستأنف.
الصورة الثالثة: أبدل عروض تجارةٍ بعروض تجارةٍ أخرى.
مثال ذلك: أطعمةٌ بأقمشةٍ، أو ببهيمة أنعامٍ عروض تجارةٍ للبيع والشراء، فيبني في هذا الحال ولا يستأنف.

س: ما حكم إبدال النِّصاب بآخر؟
ج: الحمد لله، إبدال النِّصاب ــ لا فرارًا ــ بآخر، لا يخلو من أحوال:
الأول: أن يبدله بنصابٍ يخالفه جنسًا وحكمًا، فينقطع الحول، مثل: عروض بسائمةٍ أو بالعكس، أو ذهب بسائمةٍ.
الثاني: أن يبدله بما يوافقه جنسًا وحكمًا، مثل: سائمةٍ بسائمة، وعروض بعروضٍ، فيبني.
الثالث: أن يبدله بما يخالفه جنسًا ويوافقه حكمًا، كما لو أبدل عروضًا بذهبٍ أو فضةٍ، فيبني.
وعلى المذهب أيضًا: إذا اشترى نصاب سائمة للتجارة بمثله للقُنية فيبني.
واختار الشيخ السعدي -رحمه الله- كما في المختارات الجلية، أن إبدال النِّصاب الزكوي بمثله لا يقطع الحول مطلقًا.

س: هل تجب الزكاة كل عامٍ في عروض التجارة؟
ج: الحمد لله، اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تجب في كل عام ما دام العَرَض للتجارة، وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال بعض المالكيَّة، وهو مذهب الشافعيَّة، والحنابلة.
وحجته:
أولًا: عموم أدلة زكاة العروض، وهذه بعمومها تشمل التاجر المدير والمحتكِر كل عام.
ثانيًا: ولأن العين من الذهب والفضة لا نماء لها إلا بطلب التجارة فيها، فإذا وضعت العين في العروض للتجارة حكم لها بحكم العين، فتُزكى في كل حول كما تزكى العين.
القول الثاني: أنه يفرق في الحكم بين التاجر المدير والمتربص.
فالتجار ينقسمون إلى قسمين:
الأول: المدير، وهو من ينتظر بسلعته التي اشتراها للتجارة الربح متى حصل، كصاحب البقالة.
الثـاني: المحتـكِر، ويسمى المتربص، وهو من ينتـظر بالسلعـة النَّفـاق والأسواق، أي: ينتظر وقتًا معينًا للبيع، والأول يزكي كل سنةٍ، والثاني لا يزكي حتى يبيع، وإن أقام عنده العَرْض سنين، وهو مذهب المالكيَّة.
وحجته:
أولًا: أما المدير حكمه أن يَجعل لزكاته شهرًا من العام يؤدي فيه الزكاة ويكون موعدًا لحوله.
قالوا: لأنه لو لم يفعل ذلك لأدَّى ذلك لأحد أمرين: إما ألّا يزكي أصلًا، والزكاة واجبةٌ عليه، وإما أن نكلِّفه من ضبط الأحوال وحفظها ما لا سبيل له إليه، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
أما المتربِّص: فحكمه ألا يزكي إلا إذا باع ونضَّ له الثمن.
ثانيًا: أن أعيان العروض لا صدقة فيها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «ليس على المسلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه.
فإذا اشترى العَرْض بذهبٍ للتجارة فقد صرف ما تجب في عينه الزكاة إلى ما لا تجب في عينه، فما دام عَرْضًا فلا شيء فيه، فإن النِّية مفردةً لا تؤثر، ولو أثَّرت دون عملٍ لوجبت الزكاة على من كان عنده عرضٌ للقنية، فنوى بذلك التجارة، وقد أجمع على بطلان ذلك.
الترجيح: كلا القولين له قوةٌ، لكن القول بأن التاجر المتربص يزكي لعامٍ واحدٍ أقوى؛ لأن سلعة المتربص حقيقة لم تُعد للبيع إعدادًا تامًّا؛ لأنه ينتظر وقتًا معينًا وثمنًا محددًا وليس وقته الآن، ويتقوى بأن الزكاة فيه على خلاف الأصل.
والأحوط: أن يزكي كل عامٍ؛ لأن نية التجارة وطلب الربح متوفرةٌ في هذا العرض.
وعلى هذا: من لا يبيع ولا يشتري، ولا يحرك سلعته، مثل كثير من النـاس اليوم يشتري قطعة الأرض وينتظر حتى ترتفع، ثم يقوم ببيعها، وهو ليس من تجار العقارات الذين يُعْنَوْن بمثل هذه الأمور، فهذا نقول: تجب عليه الزكاة مرةً واحدةً إذا باع.
وعلى هذا: نقول: بالنسبة لهذه السلع كالعقارات ونحوها لها صور:
الصورة الأولى: أن يكون الإنسان مديرًا يحرك السلع بالبيع والشراء، فهذا تجب عليه الزكاة كل عامٍ في جميع سِلَعِهِ، ولو تربص ببعضها.
الصورة الثانية: أن يكون محتكِرًا، أي: يشتري السلعة ويتربص ارتفاع السعر، أي: يحبس السلعة حتى يرتفع ثمنها ثم يقوم ببيعها، فهذا يجب عليه الزكاة مرةً واحدةً إذا باعها.
ومثل ذلك أيضًا: من يشتري السلعة لحفظ المال، مثل العقارات، فهذا يجب عليه الزكاة مرةً واحدةً إذا باعها.
الصورة الثالثة: أن يشتري العقار لغرضٍ غير التجارة؛ لكي يبنيه سكنًا أو السيارة لكي يستعملها، أو العقار لكي يبنيه ويُؤْجِره، فلا زكاة في عينه.

س: ما الحكم إذا نوى بعَرْض التجارةِ القنيةَ؟
ج: الحمد لله، اتفق الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على أنه إذا نوى بعَرْض التجارةِ القنيةَ أنه يصير للقنية، وتسقط عنه الزكاة.
ومما يدل لهذا: ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ليسَ على المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ ولا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه.

س: ما الحكم إذا اشترى سلعة بنية القنية والبيع؟
ج: الحمد لله، إذا اشترى سلعة بنية القنية والبيع: مثال ذلك: اشترى سيارة بقصد الركوب والبيع إن وجد فيها ربحًا، ومثله: لو اشترى دارًا للسكنى ناويًا أنه إن أُعطي فيها ربحًا باعها.
واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا زكاة فيها، وهو مذهب الحنفيَّة وقولٌ عند المالكيَّة ومذهب الشافعيَّة والحنابلة.
وحُجته: أن النِّية لم تتمحض للتجارة، والأصل في العروض القنية، فوجب تغليب هذا الجانب؛ إذ الحكم يتبع الأغلب.
القول الثاني: أن عليه الزكاة، وبه قال الإمام مالكٌ في روايةٍ عنه؛ لوجود النِّية من طلب الربح إذا وُجد، وهذا هو معنى التجارة.
ولأن من اشترى شيئًا للتجارة له استعماله والاستفادة منه، فدل على أن المعنى في المسألتين واحدٌ. فوجب أن يكون الحكم واحدًا.

س: ما الحكم إذا اشترى عَرْضًا للتجارة، ثم نواه للقُنية، ثم باعه؟
ج: الحمد لله، إذا اشترى عَرْضًا للتجارة، ثم نواه للقنية، ثم باعه: فجمهور العلماء: أنه لا تجب فيه الزكاة.
وحجته:
أولًا: انقطاع نية التجارة الأُولى بنية الاقتناء.
ثانيًا: أن الأصل في العروض الاقتناء، فأثَّر في رده إليها مجرد النِّية، كالحليّ المستعمل إذا نواه للتجارة رجع إليها لمجرد النِّية؛ لأن الأصل في الذهب والفضة التجارة.

س: هل تجب الزكاة في العروض إذا كَسَدَت؟
ج: الحمد لله، العروض إذا كَسَدَت بحيث لم يأت أحد لشرائها، فللعلماء قولان:
القول الأول: وجوب الزكاة.
وحجته:
أولًا: عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة.
ثانيًا: لأن عمر -رضي الله عنه- لم يسقط الزكاة عام الرمادة.
ثالثًا: أن مالك هذا العَرْض لو عرضه بهذا السعر الذي انخفض عليه وجد مشتريًا له.
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة.
وحجته: أنه في حكم الدَّين على غير مليءٍ، وفي حكم العقـار الذي مُنع صاحبه من التصرف فيه.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟