الجمعة 27 رجب 1447 هـ

تاريخ النشر : 23-11-2025

أحكام نية الصيام في الفرض والنفل وتعيين النية ووقتها وحكم تعليقها

الجواب

س: هل يشترط تَعْيِين نية الصوم، كأن ينوي أنه من رمضان؟ 
ج: الحمد لله، اختلف الفقهاء في اشتراط نية تعيين الصوم، كأن ينوي أنه من رمضان مثلًا.
القول الأول: أن صوم رمضان يصح بنيةٍ مطلقةٍ، وهو وجهٌ عند الشافعيَّة، ورواية عن أحمد؛ لحديث عمر -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّما الأعمالُ بالنِّـيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» متفقٌ عليه، فدل على الاكتفاء بأصل النية، والتعيين أمرٌ زائدٌ.
القول الثـاني: لا بُدَّ من تعيين النية في صوم رمضـان، وصوم الفرض، والواجب، ولا تكفي نية مُطلق الصوم، ولا تعيين صومٍ معين غير رمضان.
وبه قال جمهور الفقهـاء؛ لحـديث عمر -رضي الله عنه-: «وإنَّما لكُلِّ امْرئٍ ما نوى» متفقٌ عليه، فهذا ظاهرٌ في اشتراط التعيين؛ لأن أصل النية فُهِم اشتراطه من أول الحديث: «إنَّما الأعمالُ بالنِّـيَّاتِ».

س: ما هو وقت النية للصيام الواجب؟
ج: الحمد لله، المذهب، ومذهب الشافعيَّة: أنَّ وقت النية للصيام جميع الليل.
وعند شيخ الإسلام: إذا لم يَعلم بالوجوب إلا من النهار، كبلوغ الصبي، وإسلام الكافر، وقيام البيِّنة بالرؤية أثناء النهار، صحَّت النية من النهار، وصح صومه وإن أكل.
وعند المـالكيَّة: أن وقت النيـة جميع الليل، إلا صيام رمضان، فتكفي نيةٌ واحدةٌ عند دخول الشهر، وكذلك كل صوم متتابع ما لم يقطعه بسفرٍ أو مرضٍ.
وعند الحنفيَّة: أن وقت النية جميع الليل إن كان الواجب ثابتًا في الذمة، كالقضاء والكفارة والنذر المطلق، وإن كان معيَّنًا كرمضان والنذر المعين، فإلى الضحوة الكبرى (نصف النهار).
ودليل الحنابلة والشافعيَّة: ما روى الدارقطني بإسناده عن عَمْرَة، عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «مَن لم يُبيِّتِ الصِّيامَ قبلَ طلوعِ الفجرِ فلا صيام له»، قال ابن حبان: "هذا مقلوب، إنما هو عند يحيى بن أيوب عن سالم عن أبيه عن حفصة" ، ونحوه حديث حفصة -رضي الله عنها-، «مَن لم يُبَيِّتْ الصيام قبل الفجر ‌فلا ‌صيام ‌له»، لكنه يثبت موقوفًا، ورجَّح الموقوف أحمد والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود والترمذي والنسائي.
واستدل شيخ الإسلام: بحديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلًا مِن أسلَمَ أنْ أَذِّنْ في النَّاس أنَّ مَن أَكَلَ فلْيَصُم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء» متفقٌ عليه.
ويوم عاشوراء كان واجبًا على المسلمين قبل نسخه برمضان، وقد أمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة بصومه من النهار؛ لعدم علمهم بالوجوب قبل ذلك، ولم يأمرهم -عليه الصلاة والسلام- بالقضاء.
ودليل المالكيَّة بالاكتفاء بنيةٍ واحدةٍ لرمضان عند دخول الشهر: حديث عمر -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إنَّما الأعمالُ بالنِّـيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» متفقٌ عليه.
ولأنها عبادة تجب في العام مرةً واحدةً فجاز أن تشملها نيةٌ واحدةٌ كالزكاة.
ودليل الحنفيَّة على أن الواجب المعيَّن يمتد إلى الضحوة الكبرى: حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- المتقدم.
والأقرب: ما ذهب إليه الشافعيَّة والحنابلة، وأيضًا ما ذكره شيخ الإسلام، وهو إذا لم يعلم بالوجوب إلا أثناء النهار، فتصح النية من النهار، وكذلك إذا كان الصوم الواجب متتابعًا كصوم رمضان أو كفارة قتلٍ، فتكفي نيةٌ واحدةٌ أوّل الصيام، ما لم يقطعه بعذرٍ، كما ذكره المالكيَّة.
ويظهر أثر الخلاف إذا نام كلَّ الليل.
مثال ذلك: إنسانٌ نام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم استيقظ، فعند الشافعيَّة والحنابلة: لا يصح صيامه؛ إذ لا بد أن ينوي من الليل، وعند المالكيَّة: يرون أن صيامه صحيحٌ، ومن ذلك: إذا أغمي عليه ليلًا.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يرى أن النية تستمر إذا لم يعلم الإنسان بدخول الشهر إلى العلم بدخوله.  

س: هل تجب النية لكل يوم من أيام رمضان من الليل؟ وماذا عن صوم النفل؟
ج: الحمد لله، كل يوم من أيام رمضان يجب عليك أن تنوي له من الليل؛ لأن كل يوم عبادةٌ مفردةٌ، فتجب له نيةٌ مفردةٌ.
ومثل ذلك: الصيام الواجب غير رمضان، كما لو نذر الإنسان الصيام، فيجب عليه أن ينوي من الليل لكل يومٍ، أو إنسانٌ عليه كفارة يمينٍ، أو كفارة قتلٍ، يجب عليه أن ينوي له من الليل كل يومٍ.
والإمام مالك -رحمه الله- يرى أن كل صومٍ متتابعٍ تكفي فيه نيةٌ واحدةٌ.
والصيام المتتابع مثل: صيام رمضان، وصيام الكفارة للوطء في نهار رمضان، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، نقول: تكفي نيةٌ واحدةٌ ما لم يقطع ذلك بمرضٍ أو سفرٍ أو حيضٍ أو غير ذلك مما يبيح الفطر، فإنه يجب عليه أن يجدد النية.
وأما النفل فينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أنْ يكون النفل مطلقًا غير معيَّنٍ، فهذا تكفي فيه النية في كل النهار حتى لو نوى قبل غروب الشمس بلحظاتٍ صح ذلك.
مثال ذلك: إنسان استغرق في النوم من الليل إلى العصر، وقبل غروب الشمس استيقظ ثم نوى الصيام، فصيامه صحيحٌ.
ودليل ذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- دخل ذات يومٍ، فقال: «هل عندكم شيءٌ؟» فقالت: لا، فقال «فإنِّي إذنْ صائمٌ» أخرجه مسلمٌ، وفي لفظٍ: «إنّي إذًا أصومُ»، وهذا دليل على أنه تصح النية من النهار، والأجر يكون من حين النية، ويشترط ألا يكون تَنَاول مفطرًا، فإن تناول مفطرًا فإنه لا يصح صومه.
القسم الثاني: أن يكون الصيام مُعَيَّنًا، كصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم الاثنين وغير ذلك من الأيام التي يُستحب صيامها، فالمذهب، ومذهب الشافعيَّة: أن الحكم واحدٌ لا يفرِّقون بين المطلق والمعيَّن، فيصح أن ينوي الصيام من نصف النهار، أو من بعد العصر.
وعند المالكيَّة: وقت نية النفل جميع الليل دون النهار.
وعند الحنفيَّة: وقت نية النفل جميع الليل، ويمتد إلى الضحوة الكبرى.
دليل المذهب: حديث عائشة -رضي الله عنها-: «فإنِّي إذًا أصومُ» فظاهره أنه ابتدأ نية الصيام من حين سأل عن الطعام.
وأيضًا: ورد عن عائشة في المحلى، وأبي هريرة وابن عباسٍ -رضي الله عنهم-: رواه عنهما البخاري معلقًا بصيغة الجزم.
ودليل المالكيَّة: حديث عائشة وحفصة -رضي الله عنهما-: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصيام قبل الفجر فلا ‌صِيام له»، لكنه  ثبت موقوفًا.
ونوقش: بتخصيص صوم التطوع، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وعلَّل الحنفيَّة: بأن الضحوة الكبرى هي نصف النهار، ووقت النية يمتد إلى نصف النهار.
ونوقش: بعدم التسليم، بل وقت النية يمتد إلى ما بعد الزوال.
والأقرب: ما ذهب إليه الشافعيَّة والحنابلة، لكن يُستثنى من ذلك: الصيام المعيَّن، فنيَّته من الليل، كصيام ستة أيام مِن شوال، ويوم عرفة وغيرها؛ لأن مَن صام يوم عرفة من مُنتصفه لا يُسمى أنه صام يوم عرفة، إلا إذا نواه من الفجر.
فبالنسبة للأجر المقيَّد فلا بد أن تنوي من الليل، وأما الأجر المطلق فيصح من النهار،
قال -صلى الله عليه وسلم- في صوم يوم عرفة: «يُكَفِّرُ سنتينِ»، فإذا أردت أن تنال تكفير سنتين فإنك تنوي من الليل، أما إن أردت مطلق الأجر دون هذا الأجر المقيَّد فيكون لك أجر نفلٍ مطلقٍ، فلا بأس أن تنوي من النهار، فيصح للإنسان أن ينوي من النهار صوم يوم عرفة، لكن فاته الأجر المقيد، وله مطلق الأجر؛ لأنه إذا صام بعد الزوال مثلًا لا يَصْدُق عليه أنه صام يوم عرفة كاملًا، فلا ينال هذا الأجر المقيَّد إلا من نوى من الليل.  

س: هل يصح الصوم بتعليق النية على ثبوت دخول رمضان؟ كأن يقول: إن كان غدًا رمضان فأنا صائم، وإلا فمفطر؟
ج: الحمد لله، لو قال: إن كان غدًا رمضان فأنا صائمٌ، وإن كان شعبان فمفطر، لا يصح صومه، وهو المذهب، ومذهب المالكيَّة والشافعيَّة؛ لأنه لم يُعيّن الصوم من رمضان جزمًا.
والقول الثاني: أنه يصح صومه إذا تبيَّن أنه من رمضان، وهو مذهب الحنفيَّة، وهي رواية عند الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لما روى سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا مِن أسلَمَ ينادي في غداة عاشوراء: أنَّ مَن كانَ أكلَ فليصمْ بقيَّةَ يومِهِ، ومن لم يكنْ أكلَ فليَصُم، فإنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ» متفقٌ عليه.
وجه الدلالة: دلّ الحديث على أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يعلموا بوجوب الصوم إلا في أثناء النهار، فأمرهم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بأن من أكل فليصم، ومن لم يأكل فليتم صومه، ولم يأمرهم بالقضاء.
فإذا كان الحال كذلك، فإنَّ مَن علَّق نيته بدخول الشهر ولَمَّا أصبح عَلِم بدخول الشهر، ولم يكن قد أكل، فإن صومه صحيحٌ.  

س: ما حكم تعليق نية الصوم ليلة الثلاثين من رمضان؟ كأن يقول: إن كان غدًا من رمضان فصائمٌ وإلا فمفطر.
ج: إن قال ليلة الثلاثين من رمضان: إن كان غدًا من رمضان فصائمٌ، وإلا فمفطر، صح صومه إنْ بان منه؛ لأنه مبنيٌّ على أصلٍ لم يثبت زواله، ولا يقدح تردُّده؛ لأنه تردُّدٌ مبني على الواقع، لا على الشك في النية.

س: هل يبطل الصوم بمجرد نية الإفطار من غير أكل أو شرب؟ 
ج: الحمد لله، مَن نوى الإفطار فإنه يفطر وإن لم يأكل أو يشرب أو يجامع، ما دام أنه نوى الإفطار نقول: أَفْطَر؛ لأنه قطع نية الصيام، وهو المذهب، وبه قال المالكيَّة والشافعيَّة؛ لحديث عمر أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّما الأعمالُ بالنِّـيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» متفقٌ عليه.
وجه الدلالة: دل الحديث على أنَّ من نوى إبطال ما هو فيه من الصوم بطل، وإن لم يأكل أو يشرب أو يطأ.
القول الثاني: أن الصيام لا يبطل بمجرد نية الإفطار، بل يُعتبر صومه تامًّا، وبه قال الحنفيَّة وبعض الشافعيَّة؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ تجاوزَ عَن أُمَّتِي ما حدَّثتْ به أنفُسَهَا، ما لم تعملْ أو تتكلَّم» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وجه الدلالة: دلَّ الحديث على أن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع ما لم يتصل بالفعل، وهنا نية الإفطار لم يتصل بها الفعل.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث فيما همَّ به العبد من الأمور التي يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها، ولم يعملها، فتلك مما لم يكتبها الله عليه؛ لأن إرادته لها غير جازمة.
وهناك فرق بين مَن نوى الإفطار أفطر، ومَن أكل أفطر، والفرق: أنَّ مَن نوى الإفطار أفطر، ويصح أن ينوي مرةً أخرى نفلًا في غير رمضان، أما من أكل فلا يصح أن ينوي ولو نفلًا.
مثال ذلك: شخصٌ صام على أنه نفلٌ مقيدٌ كيوم الاثنين، ثم نوى نصف النهار الإفطار، نقول بأنه أفطر، لكن له أن يجدد نيةً أخرى ويكون نفلًا مطلقًا، ولا يصح في رمضان؛ لأن رمضان ليس محلًّا إلا لصوم رمضان.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟