الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 11-12-2025

أحكام الخرص في زكاة الثمار وكيفية تقديره وشروطه

الجواب

س: ما حكم الخرص؟
ج: الحمد لله، عند جمهور أهل العلم: يُسن للإمام بعث الخارص وقت الخرص.
وعند الحنفيَّة: لا يُشرع الخرص، ولا يثبت به حكم؛ لأنه رجم بالغيب وظنٌّ وتخمين.
ونوقش: بعدم التسليم؛ فالخرص اجتهاد في معرفة الثمر الذي هو نوع من المقادير، فهو كتقييم الْمُتْلَفَاتِ.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل» رواه أحمد وأبو داود وأبو عبيد، والبيهقي، وله شاهدٌ من حديث جابرٍ -رضي الله عنه- قال: «أفاء الله -عز وجل- خيبر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم...» رواه أحمد والبيهقي والطحاوي.
وعند أحمد عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: "خرصها ابن رواحة ألف وسق، وزعم أن اليهود لما خيَّرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق".
وعن عَتّاب بن أَسِيدٍ: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كُرُومهم وثمارهم» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي، وحسَّنه الترمذي، لكنه منقطعٌ؛ لأن سعيد بن المسيب لم يسمع مِن عتَّاب -كما في التلخيص-، لكنه صح مرسلًا كما في الإرواء، وأيضًا حديث سهل بن أبي حَثْمة -رضي الله عنه-.
قال الخطابي في معالم السنن: "العمل بالخرص ثابت... وبقي الخرص يَعمل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعمل به أبو بكر وعمر، وعامة الصحابة على تجويزه... فأما قولهم: ظن وتخمين، فليس كذلك؛ بل اجتهاد في معرفة مقدار الثمار، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، كما يُعلم ذلك بالمكاييل والموازين، وإن كان بعضها أحصر من بعض".

س: ما هو وقت الخرص؟
ج: الحمد لله، وقت الخرص: حين يبدو صلاح الثمر؛ في التمر بالحُمرة أو الصُّفرة، وفي العنب أن يتموَّهَ حلوًا. قال الشافعي -رحمه الله-: "ووقت الخرص: إذا حل البيع، وذلك حين يرى في الحائط الحمرة أو الصفرة، وكذلك حين يتموَّهُ العنب ويوجد فيه ما يؤكل منه".
لحديث عائشة -رضي الله عنها-، وفيه: «...حين يطيب قبل أن يؤكل»؛ ولأن فائدة الخرص معرفة ما يجب بالزكاة، وإطلاق أرباب الثمار في التصرف فيها، والحاجة إنما تدعو إلى ذلك حين يبدو الصلاح وتجب الزكاة.

س: ما صفة الخرص؟
ج: الحمد لله، وصفته: أن يطوف بالنخلة ويرى جميع عناقيدها، ويقول: خَرْصُها كذا وكذا، ثم يفعل بالنخلة الأخرى كذلك، ثم باقي الحديقة، يخرص رطبًا ثم يقدِّر تمرًا؛ لأن الأرطاب تتفاوت.

س: ما هي شروط الخارص؟
ج: الحمد لله، يشترط في الخارص شروط:
أولًا: الإسلام؛ لأن الكافر غير أمين.
ثانيًا: العقل؛ لأن المجنون عبارته ملغاة.
ثالثًا: العدالة، نص عليه المالكيَّة، والشافعيَّة، والحنابلة. ويظهر: أنه يكتفى بالأمانة.
رابعًا: الأمانة.
خامسًا: العلم بالخرص؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26] ومن القوة: العلم بالخرص.
سـادسًا: النطق، نص عليه بعض الشافعيَّة؛ لأن الخـرص إخبار وولاية، فلا بُدَّ من النطق. ويظهر أنه إذا فُهمت إشارته كفى.
سابعًا: العدد، فعند جمهور العلماء يُكتفى بخارصٍ واحد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة خارصًا على أهل خيبر، وقياسًا لعمل الخارص على حكم الحاكم.
وعند بعض الشافعيَّة: إنْ خَرَصَ على صبي أو مجنون لا بُدَّ من اثنين، وإلا كفى واحد؛ للاحتياط في مال الصبي والمجنون.
وعند بعض الشافعيَّة: لا بُدَّ من خارصين قياسًا على التقويم، فلا بُدَّ من مقومين.
ثامنًا: الذكورة، وبه قال الشافعيَّة؛ لأن الخرص ولاية، والمرأة ليست من أهل الولاية.
وعند المالكيَّة والحنابلة: لا تشترط الذكورة؛ لأن المرأة يجوز أن تكون كَيّالة ووَزّانة، فكذا خارصة.
تاسعًا: الحرية، والخلاف في هذا الشرط كالخلاف في الشرط الذي قبله.

س: ما حكم خطأ الخارص؟
ج: الحمد لله، إذا أخطأ الخارص التقدير فزاد أو نقص: فعند الإمام مالك، وهو رواية عن أحمد: إذا كان مأمونًا فهو جائز على ما خرص.
وعن الإمام أحمد: يلزم قول الخارص مع تفاوت قدر يسير يخطئ في مثله.
وعند ابن حزم: إذا غلِط الخارص أو ظَلَمَ فزاد أو نقص رد الواجب إلى الحق، فأعطى ما زيد عليه، وأخذ ما نقص؛ لقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135].

س: ما الحكم إذا ادَّعى المالك حيف الخـارص؟
ج: الحمد لله، إذا ادَّعى المالك حيف الخـارص، فلا يُلتفت إلى دعواه إلا ببينة؛ لأن الخارص بمنزلة الحاكم، فكلاهما مجتهدٌ في إصابة الحق.

س: ما الحكم إذا تلف المخروص قبل إخراج الزكاة؟
ج: الحمد لله، إذا تلف المخروص قبل إخراج الزكاة.
إن كان بفعل آدمٍّي ضمن، وإن كان بجائحةٍ سماويةٍ فلا يضمن، وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعيَّة؛ لأن الثمر قبل الجذاذ في حكم ما لا تثبت اليد عليه.
وعند المالكيَّة: يضمن صاحب المال إذا كانت الجائحة الثلث فأكثر؛ قياسًا على وجوب رجوع المشتري على البائع بحصته من الثمن إذا تلف من الثمر الثلث فأكثر.
وعند ابن حزمٍ: يضمن مطلقًا؛ لأن الزكاة وجبت بالخرص.

س: على من تكون أجرة الخارص؟ 
ج: الحمد لله، للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: أن أجرة الخرص على بيت المال، وهو قولٌ عند الحنفيَّة، ومذهب المـالكيَّة، وقولٌ عند الشـافعيَّة، وروايـة عند الحنابلة؛ لأن هذا العمل مما ينوب به عن السلطان، فاستحق الأجر عليه من بيت المال.
وفي قول عند الحنفيَّة، ورواية عند الحنابلة: أنه على رب المال؛ لأن الخرص يجب للإيفاء بالزكاة، والإيفاء حق على رب المال.

س: ما هي الأموال التي تُخرص؟
ج: الحمد لله، اتفق القائلون بالخرص على مشروعية خرص النخل والعنب؛ لحديث أبي حميد الساعدي وحديث عَتّاب بن أَسِيدٍ وعائشة -رضي الله عنهم-.
واختلف العلماء في حكم خرص الحَبِّ في سُنبله: فالمذهب وهو قول المالكيَّة والشافعيَّة: أنه لا يُخرص؛ لأن النص ورد في النخل والعنب، والزرع ليس في معناهما، ولأنه لا يتبين للخارص، لوجود الحائل.
وعند بعض المالكيَّة: جواز خرص الحب في سنبله قياسًا على التمر والعنب بجامع حاجة أهلهما لهما.
ونوقش: بالفرق؛ إذ إن العنب والتمر الحاجة فيهما ماسةٌ إلى الأكل قبل وقت دفع الزكاة، بخلاف الزرع فإنه لا يؤكل منه إلا بعد حصاده إلا شيئًا يسيرًا كالفريك ونحوه.
وعلى هذا: فالأقرب رأي جمهور العلماء.
وأما الزيتون: فالمذهب وبه قال مالكٌ والشافعيَّة: عدم جواز خرص الزيتون؛ لأن النص إنما ورد بالتمر والعنب؛ ولأن حَبَّه متفرق في شجره مستور بورقه بخلاف النخل والعنب.
وعند بعض الحنابلة، وبه قال الزهري والأوزاعي والليث: مشروعية خرص الزيتون؛ قياسًا على الرطب والعنب.
ونوقش: بأنه قياسٌ مع الفارق.

س: ماذا يُترك في الخرص لأهل الزروع والثمار؟
ج: الحمد لله، المذهب: أنه يُترك في الخرص الثلث أو الربع توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون، ويكون في الثمرة الساقطة وينتابها الطير ويأكل منها المارة.
وعند مالك وأبي حنيفة، والشافعي: لا يُترك لأرباب الزرع والثمر شيءٌ.
وعند الشافعي في القديم: يُترك للمالك نخلةٌ أو نَخَلاتٌ يأكلها أهله، ويختلف باختلاف حال الرجل في كثرة عياله وقلتهم.
وقال ابن حزمٍ: "لا يجوز أن يعد على صاحب الزرع في الزكاة ما أكل هو وأهله، فريكًا أو سويقًا، قلَّ أو أكثر، ولا السنبل الذي يسقط فيأكله الطير أو الماشية أو يأخذه الضعفاء، ولا ما تصدق به حين الحصاد، لكن ما صفي فزكاته عليه".
ودليل أبي حنيفة ومالك: عمومات أدلة وجوب الزكاة، وهي تشمل القليل والكثير.
ودليل الحنابلة: حديث سهل بن أبي حَثْمة مرفوعًا: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا أَوْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الحاكم وابن حبان.
وروى بشير بن يسار أن عمر بن الخطاب بعث أبا حثمة الأنصاري على خرص أموال المسلمين فقال: «إذا وجدتَ القوم في نخلهم قد خرصوا فدعْ لهم ما يأكلون لا تخرصه عليهم» رواه ابن حزمٍ في المحلى.
وعن سهل بن أبي حثمة أن مروان بعثَه خارصًا للنخل فخرص مال سعد بن أبي وقاص سبعمائة وسق، وقال: «لولا أني وجدت فيه أربعين عريشًا لخَرَصْتُه تسعمائة وسق، ولكني تركت لهم ما يأكلون» رواه ابن حزمٍ في المحلى.
ودليل الشافعيَّة: قول عمر -رضي الله عنه-: «خفِّفوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العَرِيّة والأَكَلة» رواه البيهقي في السنن، وأبو عبيد في الأموال.
قال ابن قدامة: "والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى الأَكَلة كثيرًا ترك الثلث، وإن كان قليلًا ترك الربع، فإن لم يترك الخارص شيئًا فلهم الأكل قدر ذلك".
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه: "وأما الزروع من الحنطة والشعير ونحو ذلك، فلا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله قبل تمام الحصاد، ولا يحتسب عليهم ذلك عند إخراج الزكاة".

س: هل في ما يتركه الخارص لأهل المال المخروص زكاة؟
ج: الحمد لله، المذهب: يزكِّي المالك ما تركه الخارص إذا لم يأكله رب المال؛ لحديث: «فدع لهم قدر ما يأكلون».
وعند الشافعيَّة: ما تركه الخارص جزءٌ من الزكاة ليتولى ربُّ المال إنفاقه على مستحقيه؛ لحديث: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا أَوْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ» فالمراد الترك من الزكاة لا من المخروص؛ ليفرقه بنفسه على فقراء أهله وجيرانه لطمعهم في ذلك.
وعند بعض الحنابلة: يزكي ما تركه الخارص، سواءٌ أكل منه أو لم يأكل؛ لأن الواجب لا يسقط بترك الخارص له.

س: هل في الزائد أو الناقص من الثمر المخروص عما خرصه به الخارص زكاة؟
ج: الحمد لله، إذا لم يأكل صاحب الثمرة من الثمرة، ثم كال ما تحصَّل بيده، فكان أكثرَ من المخروص أو أقل: ففي وجهٍ عند الشافعيَّة، وروايةٍ عند الحنابلة: يزكي ما خُرِصَ عليه، سواءٌ كان أقل أو أكثر؛ لأن الزكاة انتقلت إلى ما قاله الخارص.
وعند بعض الحنابلة: يزكي ما خُرص عليه إذا كان الفرق يسيرًا، وأما إذا كان الفرق كثيرًا فيزكي ما تحصَّل بيده.
وعند المالكيَّة والشافعيَّة وأحمد: يزكي ما خُرص عليه إذا كان أكثر، وأما إذا كان ما تحصّل بيده أقل فيخرج الأكثر؛ لقلّة إصابة الخُرَّاص اليوم.

س: ما الحكم إذا لم يبعث الإمام خارصًا؟
ج: الحمد لله، إذا لم يبعث الإمام خارصًا، فعلى رب المال من الخرص ما يفعله الخارص، ليعرف قدر الواجب قبل أن يتصرف؛ لأنه مستخلَف فيه، ولو ترك الخارص شيئًا من الواجب أخرجه المالك، نص عليه(الأمام أحمد).

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟