س: ما تأثير الدَّيْن على الزكاة؟
ج: الحمد لله، اتفق الفقهاء على أنَّ الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة، إذا ثبت في ذمة المدين بعد وجوب الزكاة. واتفقوا على أن الدَّين الثابت في الذمة قبل وجوب الزكاة إذا كان لا ينقُصُ النصابَ فإنه لا يمنع زكاة ما بقي من المال.
واختلفوا في تأثير الدين على الزكاة: فالمذهب: أن الدَّين يمنع وجوب الزكاة مطلقًا، سواءٌ كان في الأموال الباطنة كالأثمان، أو في الأموال الظاهرة كالمواشي والحبوب والثمار، متى كان مستغرقًا للمال، فإن لم يكن مستغرقًا فإنه يمنع بقدره، إلا إذا كان الباقي أقل من النصاب، فإنه يمنع وجوبها كالدين المستغرق.
واستدلوا:
أولًا: بما ورد عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليُؤَدِّه؛ حتى تخرجوا زكاة أموالكم" رواه مالكٌ في الموطأ وابن أبي شيبة، وصححه في الإرواء.
ونوقش هذا الاستدلال: أن الدَّين إذا كان حالًّا قبل وجوب الزكاة فإنه يُقضى؛ لسبق حق الدائن، والحكم للأسبق.
ثانيًا: أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء، وحاجة المدين كحاجة الفقير أو أشد.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلَّم أن الحكمة من الزكاة مجرد المواساة، بل كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103 فهذه تزكيةٌ للمال وصاحب المال.
وأيضًا: مَن عنده نصاب زكوي يجب عليه أن يزكي، وله أن يأخذ من الزكاة ليؤدي دَينه.
القول الثـاني: أن الدين لا يمنع الزكاة مطلقًا لا في الأموال الظاهرة ولا الباطنة. وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة في روايةٍ، والظاهرية.
واستدلوا:
أولًا: بما ورد من الأدلة على أن الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة.
ثانيًا: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي بكر -رضي الله عنه-: «وفي الرِّقـةِ رُبُعُ العُشْرِ» رواه البخاري، وهذا عامٌّ في إيجاب الزكاة عند بلوغ النصاب، ولو كان هناك دينٌ على المالك.
ثالثًا: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} التوبة: 103 وحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في بعث معاذٍ -رضي الله عنه- إلى اليمن: «فأَعْلِمْهُم أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عليهم صدقةً تُؤْخَذُ مِن أغنيائهم فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِم» متفقٌ عليه. فهذا يدل على أن الزكاة تجب في المال، والدَّين يجب في الذمة، فالجهة منفكّةٌ فلا تَعارض، ولهذا لو تلف المال الذي بيد المقترض لم يسقط شيء من الدين.
رابعًا: ولأنها متعلقةٌ بعين المال؛ ولهذا وجبت في أموال الصغار والمجانين.
القول الثالث: أن الدَّين يمنع زكاة ما يقابله من المال، إلا في الزروع والثمار. وبه قال الحنفيَّة، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد.
واستدلوا:
أولًا: بما أخرجه أبو عبيد عن ابن شهاب "أنه سُئل عن رجلٍ تسلَّف في حائطٍ له، أو في حرثه، حتى أحاط بما خرج له، أيزكي حائطه ذلك، أو حرثه؟ فقال: لا نعلمه في السُّنة أن يترك ثمر رجلٍ كان عليه دينٌ، ولكنه يُصَدِّق، وعليه دَينه، فأما رجلٌ كان عليه دينٌ، وله ورِقٌ أو ذهبٌ فإنه لا يُصَدِّق في شيءٍ من ذلك حتى يقضي دَينه".
ثانيًا: قياس الزكاة في الزروع والثمار على الخراج بجامع أن كلًّا منهما مؤنة الأرض، بمعنى: أن الأرض سبب وجوبهما، فكلاهما متعلقٌ بعين الأرض من غير اعتبار شيءٍ آخر.
ونوقش: بأنه لا يُسلّم بأن العُشْر الواجب في الزروع والثمار هو مؤنة الأرض يُخرج بسببها، بل هو زكاة الخارج منها.
القول الرابع: أن الدَّين يمنع زكاة ما يقابله من المال في الأموال الباطنة دون الظاهرة؛ وبه قال المالكيَّة، وهو قول عند الشافعيَّة وروايةٌ عند الحنابلة.
أولًا: للعمومات، كقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي بكرٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «في كلِّ أربعين شَاةً شَاةٌ» رواه البخاري.
ثانيًا: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث العمَّال لقبض زكاة الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال، مع أن الغالب أن أهل الثمار تكون عليهم ديونٌ.
والراجح من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الشافعي -رحمه الله-، وأن مَن عنده أموالٌ وحال عليها الحول فإنه يجب عليه أن يخرج زكاتها ولو كان عليه دينٌ، لكن يقال:
إذا حلَّ عليه الدين قبل الزكاة: يبدأ بالدين ويخرجه، فإن فَضَلَ شيءٌ من المال يبلغ نصابًا يؤدي زكاته، وإن لم يفضل شيءٌ فإنه لا زكاة عليه.
س: ما شروط منع الدَّيْن للزكاة عند القائلين بذلك؟ وهل يقابَل الدَّيْن بالمال الزكوي فقط أو به وبغيره؟
ج: الحمد لله، شرط منع الدين للزكاة عند القائلين به:
أولًا: ألّا يكون الدين ثابتًا بعد وجوب الزكاة.
ثانيًا: أن يكون الدين ناقصًا للنصاب.
ثالثًا: أن يقابَل الدين بالمال الزكوي.
إذا ظهر ذلك: فهل يُقابل الدين بالمال الزكوي فقط، أو يُقابل الدين بالمال الزكوي وغيره مما ليس من الحاجات الأصلية؟
اختلف الفقهاء في هذا ذلك على قولين:
القول الأول: أن المزكِّي يجعل الدين الذي عليه في مقابلة عُروضه التي تُباع لو أفلس، كما لو كان عنده ثوبٌ لا يحتاجه، ويزكي ماله الزكوي، فإن لم تفِ عروضه بالدَّين الذي عليه جعل الدين في أمواله الزكوية، وزكَّى الفاضل إن كان نصابًا.
وهذا مذهب المالكيَّة وروايةٌ عند الحنابلة، واختيار أبي عبيد؛ لأن المكلَّف إذا وجد لديه من العروض الفاضلة عن حاجته ما يجعله في مقابلة الدين، ووجد لديه مال زكوي فهو مالكٌ لنصابٍ فاضلٍ عن حاجته لقضاء دَينه؛ فتلزمه الزكاة، كما لو لم يكن عليه دينٌ. ووجب جعل العروض في مقابل الدين؛ لأنه من ماله المملوك له فيكون مكان دينه.
القول الثاني: أن المزكي يجعل الدين الذي عليه في مقابلة المال الزكوي فقط، فيمنع الدين وجوب الزكاة ولو كان له عَرْضُ قنيةٍ زائدٌ عن حاجته الأصلية.
وهذا مذهب الحنفيَّة والحنابلة؛ لأن عَرْضَ القُنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيهما، فكذا فيما يمنعها.
ونُوقش هذا الدليل: بأن عَرض القنية يشبه الملبوس في عدم الزكاة، لكنه يفارقـه أن الدين يُقضى منه عند الفلس، واعتبـار هذا المعنى في عرض القنية يقتضي أن الأَولى جعل الدين في العرض لا في النصاب.
رابعًا: ألا تكون الزكاة زكاة الفطر، فالدين لا يمنع الوجوب فيها.
س: هل الدَّيْن المتعلِّق بحق لله تعالى ككفارةٍ أو نذرٍ ونحوهما يمنع من وجوب الزكاة أو لا يمنعها؟
ج: الحمد لله، خلافٌ بين الفقهاء على قولين:
القول الأول: أن دَين الله كالكفارة والنذر ونحوهما لا يمنع وجوب الزكاة، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة، ورواية للحنابلة.
واستثنى المالكيَّة: دين الزكاة، فإن الدين يمنعها عندهم في الأموال الباطنة، فهي كدَين الآدمي؛ لأن لها مطالبًا وهو الإمام؛ لما تقدم من الأدلة على أن الدين لا يمنع الزكاة، وهذا يشمل دين الآدمي، ودين الله.
القول الثاني: أن دين الله كالكفارة والنذر ونحوهما كصدقة الفطر، ووجوب الحج يمنع وجوب الزكاة كدين الآدمي، وهو مذهب الحنابلة، ورواية للشافعية.
واستدلوا:
أولًا: بما ورد من الأدلة على أن دين الآدمي يمنع الزكاة.
والراجح -والله أعلم-: أن دين الله لا يمنع وجوب الزكاة.