س: إلى كم تنقسم الأموال الزكوية؟
ج: الحمد لله، يقسِّمون الأموال الزكوية إلى قسمين: أموال ظاهرة، وأموال باطنة.
فالأموال الظاهرة: هي سائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض.
والأموال الباطنة: هي النقدان: الذهب والفضة، وعُروض التجارة.
س: ما معنى قول الفقهاء: إنه لا زكاةَ في مالِ مَن عليه دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصابَ؟
ج: الحمد لله، يعني: إذا كان الإنسان عليه دينٌ، فهناك حـالتان:
الحـال الأولى: أن يكون الدين ينقُصُ النصابَ، فهذا لا زكاة فيه، مثاله: عنده عشرون مثقالًا، وعليه مثقال دين، فلا زكاة عليه.
الحال الثانية: أن يكون الدين لا ينقُصُ النصابَ، لكنه ينقُصُ المالَ، فلا زكاة فيه بقدر ما نَقَصَ هذا المالَ.
مثال ذلك: رجلٌ عنده ألف دينار، وعليه دين بمائة دينار، فيزكي عن تسعمائة دينار.
س: هل تجب الزكاة في المال أو في الذِّمة؟
ج: الحمد لله، المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك: تجب في المال؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «في كلِّ أربعين شاةً شَاةٌ».
الرأي الثـاني: أنها تجب في الذمة، وهذا رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وهو قول للشافعي -رحمه الله-. واختار شيخ الإسلام: أنها تجب في الذمة، ولها تعلق بالنصاب.
وهذا الخلاف بين العلماء -هل تجب في المال، أو تجب في الذمة؟- له ثمرة:
منها: إذا كان لرجلٍ أربعون شاةً، فحال عليها حَوْلَان، فإن الزكاة تجب عن حولين على قول من علَّقها في الذمة، وعن حولٍ واحدٍ في قول من علَّقها بالمال.
وينبني على الخلاف أيضًا: أنه إذا كان عنده أربعمائة درهمٍ ومضى عليها حولان، فزكاتها في السنة الأولى: عشرة دراهم، وأما في السنة الثانية: فمَن علَّقها بالذمة لم تنقص الزكاة "عشرة دراهم"، وأما من علقها بالمال فتنقص الزكاة؛ لأن المال نقص إلى ثلاثمائة وتسعين.
وأيضًا: هل تسقط الزكاة بتلف المال؟ اختُلف في ذلك.
وابن رجب -رحمه الله- في قواعده ذكر كثيرًا من المسائل المترتبة على هذا الخلاف.
والصواب: أن الزكاة متعلقةٌ بالذمة.
ويدل لهذا:
أولًا: أن الإنسان لا يجب عليه أن يخرج الزكاة من أعيان هذا المال، فلو كان الإنسان عنده أربعون شاةً، ولم يخرج من هذه الأربعين، فلا بأس بذلك، ولا يجب عليه أن يخرج من هذه الأربعين.
ثانيًا: إذا حال الحول له أن يبيع النصاب، فلو كان عنده أربعون شاةً فله أن يبيع النصاب كاملًا، ولا نقول: إن إحدى الشياه لا يجوز لك أن تبيعها، وكذلك الخارج من الأرض كالحبوب مثلًا له أن يبيع النصاب، ولا نقول: إن الزكاة وجبت في أعيانه، بل يُخرج الواجب في الخارج من الأرض من هذه الأعيان أو من غيرها.
س: هل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء؟
ج: الحمد لله، هذا هو المشهور من المذهب، وهو من المفردات، أي: إذا حال الحول وجبت الزكاة، فلو تلفت الزكاة بعد حولان الحول فإنه يضمنها ولو لم يتمكن من الأداء.
مثال ذلك: إنسانٌ عنده ألف ريال، وحال عليه الحول، ولم يخرج الزكاة حتى تلف هذا الألف، فإن هذا التلف لا يُسقط عنه الزكاة؛ لأنه لا يُشترط لوجوبها إمكان الأداء؛ لحديث عليٍّ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «لا زكاةَ في مالٍ حتَّى يَحُولَ عليه الحولُ»، وقد دلَّ الحديث على وجوب الزكاة عند حولان الحول، ولم يشترط التمكن من الأداء.
وبالقياس فقالوا: الحائض يجب عليها الصيام مع أنها لا تتمكن من الأداء فيأتيها الحيض فتفطر، ويجب عليها أن تقضي.
أيضًا قالوا: إذا كان للإنسان مالٌ غائبٌ تجب عليه زكاته، وإن لم يتمكن من أدائه الآن.
الرأي الثاني: أنه يشترط للوجوب إمكان الأداء، وهو قول الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة.
واستدلوا على ذلك: بالقياس على الصلاة، فإنه إذا لم يتمكن المسلم من فعلها بعد دخول الوقت بأن جُنَّ فإنها لا تجب عليه.
ومثل ذلك أيضًا: لو أنه ملك زادًا وراحلة لكنه لم يتمكن من الحج حتى تلف الزاد والراحلة، فإن الحج لا يجب في ذمته، كذلك أيضًا الزكاة.
والأقرب: أنه يشترط إمكان الأداء، والزكاة في يد المزكي بعد الحول أمانة، فإن تعدى أو فرط فإنه يضمن، أي: إذا لم يحفظ الزكاة في مكان حفظها، أو فرط في الإخراج بحيث تساهل حتى مضى وقتٌ كثيرٌ فهلك المال، فنقول: في هذه الحال تجب عليه الزكاة، أما إذا لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط فلا تجب عليه.
س: هل يُشترط لوجوب الزكاة بقاء المال؟
ج: الحمد لله، هذا المذهب، فلا تسقط الزكاة بتلف المال، فرَّط أو لم يفرط، كدين الآدمي، إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ فتسقط. وعند المالكيَّة والشافعيَّة: إذا تمكن من أدائها فأخَّرها عن وقتها حتى تلفت: لا تسقط الزكاة؛ بل يضمنها صاحبها كالحج إذا تلف ماله بعد إمكان أدائه، وهو الأقرب.
القول الثـاني: تسقط زكاة المال إذا تَلِفَ بعد التمكن من الأداء، وهذا مذهب الحنفيَّة؛ لأن المال هو محل الزكاة؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} المعارج: 24 فالزكاة حق يتعلق بالعين، فسقطت بتلف العين.
س: ما الحكم إذا مات ولم يخرج الزكاة؟
ج: الحمد لله، إذا مات ولم يخرج الزكاة لا يخلو من حالين:
الأول: أن يوصي بإخراج الزكاة: فإنها لا تسقط باتفاق الأئمة الأربعة، مع خلافٍ بينهم في كونها تُخرج من الثلث، كالوصية، أم من جميع المال.
الثاني: إذا لم يوصِ بإخراج الزكاة ومات، للعلماء في ذلك أقوال: المذهب: تُخرج عنه ولو لم يوصِ من رأس المال، وهو مذهب الشافعيَّة، والظاهرية؛ لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} النساء: 12.
فالآية جاءت عامة للديون كلها، وأنها تقدَّم قبل الميراث، ولحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ، أفأقضيه عنها؟ قال: نَعَم؛ فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وفي روايةٍ أخرى: «اقْضُوا الله؛ فاللهُ أحقُّ بالوفاءِ» رواه البخاريُّ.
القول الثاني: إذا أوصى بها تكون في ثلثه كسائر الوصايا، وإذا لم يوصِ لم يجب إخراجها إلا أن يشاء ورثتُه أن يتبرعوا بها صدقة عنه. وهو قول الحنفيَّة في الجملة، وبه قال الشعبي، والنخعي؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يقولُ العبدُ: مالي، مالي، إنَّما له مِن مالِهِ ثلاثٌ: ما أكلَ فَأَفْنَى، أو لبسَ فَأَبْلَى، أو أَعْطَى فَاقْتَنَى، وما سِوَى ذلك فهو ذَاهِبٌ، وتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» رواه مسلم.
وجه الدلالة: يفهم من الحديث أن أي مال لم يُمضه الإنسان في حياته في صدقة أو سواها فليس له، بل هو مال الوارث بعد موته؛ وذلك لانقطاع علاقته بماله بالموت.
ونوقش: ببقاء الديون.
القول الثـالث: ما أشهـد ببقائه في ذمته في حال صحته، أو عُلِمَ أنه لم يخرجه: فإنه يُخرج من رأس المال، أوصى به أو لم يوصِ، سواءٌ في ذلك الزكاة الماضية، وغيرها من الواجبات المالية، مثل: الكفارة والهدي وغيرهما، بخلاف ما أوصى به ولم يُشهد ببقائه في ذمته، وأشهد به في مرض موته: فإنه يخرج من الثلث.
وأما الزكاة الحاضرة: فإن زكاة الحرث والماشية تُخرج من رأس المال، وإن لم يوصِ بها مطلقًا، كما أن زكاة العين تُخرج من رأس المال أيضًا إذا اعترف بحلولها، وأوصى بإخراجها في صحته أو مرضه، وإن أوصى بها ولم يعترف بحلولها فإنها تُخرج من الثلث، أما إذا لم يعترف بحلولها ولم يوص بها، أو اعترف بحلولها ولم يوص بها، فإنها لا تُخرج من ثلثه ولا رأس ماله إلا أن يشاء الورثة، وهو قول المالكيَّة.
والظاهر من مذهب المالكيَّة: التفريق بين زكاة الماشية والنقدين، فإن كان المال ماشية فلا زكاة فيها إذا مات مالكها قبل مجيء الساعي، وبنوا قولهم هذا على أن مجيء الساعي شرط لوجوب زكاة الماشية.
ومن ثمَّ إذا لم يأت الساعي ويقبضها فلا زكاة في الماشية أصلًا على من مات قبل ذلك.
أما إذا كانت دراهم فإنهم قالوا: بأنه لا زكاة فيها بموت المورث إلا بالوصية.
ونوقش هذا الاستدلال: بالنسبة لقولهم في الماشية بأن مجيء الساعي شرطٌ قولٌ فيه غرابة، بل يحتاج إلى دليلٍ. أما قولهم في الدراهم ونحوها، فهو مذهب الحنفيَّة.
س: إذا مات شخصٌ وعليه زكاة ودَين لآدمي، فأيهما يُقدَّم: حق الله أم حق الآدمي؟
ج: الحمد لله، إذا مات شخصٌ وعليه ألف ريال زكاة، وألف ريال أخرى دين، والتركة كلها ألف ريال، فهل نقدم الزكاة، أو نقدم دين الآدمي؟
هذا موضع خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله-: فمن أهل العلم مَن قدم حق الله -عز وجل- وهو الزكاة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فدينُ اللهِ أحقُّ أنْ يُقْضَى» رواه البخاري.
ومن أهل العلم مَن قـدم دين الآدمي؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحّة.
ومن العلماء من قال: بأنهم يتحاصُّون، فلا نقدم دين الآدمي ولا نقدم دين الله تعالى، بل نقسم مال هذا المتوفّى بين الدَّيْنَيْنِ بالنسبة، وطريق ذلك:
أولًا: أن نجمع الدَّينَين.
ثانيًا: بعد ذلك ننسُب كل دينٍ إلى مجموع الدَّينين.
ثالثًا: نعطيه من التركة بمقدار تلك النسبة.
مثال ذلك: رجلٌ مات وعليه لزيد ثمانية آلاف ريالٍ، وعليه زكاة ألفا ريالٍ، فأصبح المجموع عشرة آلاف ريالٍ، ثمانية آلاف للآدمي وألفان حق لله تعالى، وهو لم يخلف إلا خمسة آلاف ريال، لا تكفي للدينين.
فعلى قول من قال: يقدَّم حق الله -عز وجل- نخرج الألفين الزكاة، ويبقى ثلاثة آلاف للآدمي.
ومن قال: يقدَّم حق الآدمي نخرج الخمسة لحق الآدمي، ولا يبقى شيء لحق الله تعالى.
ومن قال: بأنهم يتحاصّون، نجمع الدَّينين فنقول: ثمانية مع ألفين تساوي عشرة آلاف، ثم ننسُب دين الآدمي الثمانية آلاف إلى العشرة فتكون نسبتها أربعة أخماسٍ، نعطيه من التركة أربعة آلاف. وبالنسبة لدين الله تعالى ألفان نسبتها إلى العشرة الخمس، وخمس التركة يساوي ألفًا، فنقسم هذه الخمسة على الدينين بالمُحاصة.