السبت 26 ذو القعدة 1443 | آخر تحديث قبل 2 أيام
0
المشاهدات 579
الخط

الإيمان بالقضاء والقدر

السؤال:

سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين-: عن الإيمان بالقضاء والقدر؟

الجواب:

الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، التي بينها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لجبريل حين سأله عن الإيمان. والإيمان بالقدر أمر هام جدا، وقد تنازع الناس في القدر من زمن بعيد حتى في عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- ، كان الناس يتنازعون فيه ويتمارون فيه، وإلى يومنا هذا والناس يتنازعون فيه، ولكن الحق فيه - ولله الحمد - واضح بين، لا يحتاج إلى نزاع ومراء، فالإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله -سبحانه وتعالى- قد قدر كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان: 2]، وهذا التقدير الذي قدره الله -عز وجل- تابع لحكمته، وما تقتضيه تلك الحكمة من غايات حميدة، وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم. ويدور الإيمان بالقدر على الإيمان بأربع مراتب: المرتبة الأولى: العلم، وذلك أن تؤمن إيمانا كاملا بأن الله ـسبحانه وتعالى- قد أحاط بكل شيء علما، أحاط بكل شيء مما مضى، ومما هو حاضر، ومما هو مستقبل، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله -عز وجل- ، أو بأفعال عباده، فهو محيط بها جملة وتفصيلا بعلمه الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وأدلة هذه المرتبة كثيرة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾[آل عمران: 5]. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[الأنعام: 59]. وقال -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾[ق: 16]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 283] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علم الله -سبحانه وتعالى- بكل شيء جملة وتفصيلاً. وهذه المرتبة من الإيمان بالقدر من أنكرها فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله-صلى الله عليه وسلم- وإجماع المسلمين، وطاعن في كمال الله -عز وجل- ؛ لأن ضد العلم إما الجهل، وإما النسيان، وكلاهما عيب، وقد قال الله تعالى عن موسى -عليه السلام- حينما سأله فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾[طه: 51-52]، فهو ﴿لَا يَضِلُّ﴾؛ أي لا يجهل شيئا مستقبلا، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ شيئا ماضيا -سبحانه وتعالى-. المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله -سبحانه وتعالى- كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة فإنه -عز وجل- حينما خلق القلم، قال له: «اكتب قال: ربي، وماذا اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». فكتب الله -عز وجل- في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، وقد دل على هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[الحج: 70]. قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾[الحج: 70]، أي مكتوب في كتاب، وهو اللوح المحفوظ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[الحج: 70]، ثم هذه الكتابة تكون مفصلة أحيانا، فإن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر يبعث إليه ملك، فيأمره بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- ويكتب أيضا في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾[الدخان: 3-5]. المرتبة الثالثة: الإيمان بأن كل ما في الكون فإنه بمشيئة الله، فكل ما في الكون فهو حادث بمشيئة الله -عز وجل- سواء كان ذلك مما يفعله هو -عز وجل- أو فيما يفعله المخلوق قال الله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾[إبراهيم: 27]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[النحل: 9]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾[هود: 118]، وقال- عز وجل-: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[إبراهيم: 19] إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن فعله واقع بمشيئته، وكذلك أفعال الخلق واقعة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾[البقرة: 253]، وهذا نص صريح في أن أفعال العبيد قد شاءها الله -عز وجل- ولو شاء الله أن لا يفعلوا لم يفعلوا. المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء فالله -عز وجل- هو الخالق، وما سواه مخلوق، فكل شيء فالله خالقه، فالمخلوقات مخلوقة لله -عز وجل- وما يصدر منها من أفعال وأقوال مخلوقة لله -عز وجل- أيضًا؛ لأن أفعال الإنسان، وأقواله من صفاته، فإذا كان الإنسان مخلوقا كانت صفاته أيضا مخلوقة لله -عز وجل- ، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات: 96]. فنص الله تعالى على خلق الإنسان وعلى خلق عمله قال ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات: 96]، وقد اختلف الناس في (ما) هنا هل هي مصدرية، أو موصولة؟ وعلى كل تقدير فإنها تدل على أن عمل الإنسان مخلوق لله -عز وجل- هذه أربع مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها. ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر؛ لأن الأسباب تنتج عنها مسبباتها، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام علم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة -رضي الله عنهم- هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يجله ويقدره فقال: يا أمير المؤمنين، (كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارًا من قدر الله ؟) فقال عمر -رضي الله عنه-: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) وبعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وكان غائبا في حاجة له، فحدثهم أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال عن الطاعون: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها». والحاصل: أن في قول عمر -رضي الله عنه-: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) دليلاً على أن اتخاذ الأسباب من قدر الله -عز وجل- ونحن نعلم أن الرجل لو قال: أنا مؤمن بقدر الله وسيرزقني الله ولدا بدون زوجة، لو قال هذا لعد من المجانين، كما أنه لو قال: أنا أؤمن بقدر الله، ولن أسعى في طلب الرزق، ولم يتخذ أي سبب للرزق لعد ذلك من السفه؛ فالإيمان بالقدر إذن لا ينافي الأسباب الشرعية، أو الحسية الصحيحة، أما الأسباب الوهمية التي يدعي أصحابها أنها أسباب، وليست كذلك فهذه لا عبرة بها ولا يلتفت إليها. ثم اعلم أنه يرد على الإيمان بالقدر إشكال -وليس بإشكال في الواقع- وهو أن يقول قائل: إذا كان فعلي من قدر الله -عز وجل- فكيف أعاقب على المعصية، وهي من تقدير الله -عز وجل-؟ والجواب على ذلك أن يقال: لا حجة لك على المعصية بقدر الله؛ لأن الله -عز وجل- لم يجبرك على المعصية، وأنت حين أقدمت عليها لم يكن لديك العلم بأنها مقدرة عليك؛ لأن الإنسان لا يعلم بالمقدر إلا بعد وقوع الشيء، فلماذا لم تقدر قبل أن تفعل المعصية أن الله قدر لك الطاعة، فتقوم بطاعته؟! وكما أنك في أمورك الدنيوية تسعى لما ترى أن فيه خيرا، وتهرب مما ترى فيه شرا، فلماذا لا تعامل نفسك هذه المعاملة في عمل الآخرة؟! ولا أعتقد أن أحدا يسلك الطريق الصعب، ويقول: إن هذا قد قدر لي، بل سوف يسلك الطريق المأمون الميسر، ولا فرق بين هذا وبين أن يقال لك: للجنة طريق، وللنار طريق، فإنك إذا سلكت طريق النار فأنت كالذي سلك الطريق المخوف الوعر، فلماذا ترضى لنفسك أن تسلك طريق الجحيم، وتدع طريق النعيم؟! ولو كان للإِنسان حجة بالقدر على فعل المعصية لم تنتف هذه الحجة بإرسال الرسل، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء: 165] واعلم أن للإيمان بالقدر ثمرات جليلة على سير الإنسان، وعلى قلبه؛ لأنك إذا آمنت بأن كل شيء بقضاء الله وقدره فإنك عند السراء تشكر الله -عز وجل- ولا تعجب بنفسك، ولا ترى أن هذا الأمر حصل منك بحولك وقوتك، ولكنك تؤمن بأن هذا سبب إذا كنت قد فعلت السبب الذي نلت به ما يسرك، وأن الفضل بيد الله -عز وجل- فتزداد بذلك شكرا لنعم الله -سبحانه وتعالى- ويحملك هذا على أن تقوم بطاعة الله على حسب ما أمرك الله به، وأن لا ترى لنفسك فضلا على ربك، بل ترى المنة لله -سبحانه وتعالى- عليك قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات: 17] كما أنك إذا أصابتك الضراء فإنك تؤمن بالله -عز وجل- وتستسلم، ولا تندم على ذلك، ولا تلحقك الحسرة، ألم تر إلى قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان». فالإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم الغم والهم لما يستقبل، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[الحديد: 22-23]، والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح الشيطان له كل باب، وأنه سوف يفرح ويبطر، ويغتر إذا أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله.

المصدر:

مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين(2/80-86)

أضف تعليقاً